وقوله : { النجم } خبر عن ضمير محذوف تقديره : هو ، أي الطارق النجم الثاقب .
والثقب : خرق شيء ملتئم ، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل . شبه النجم بمسمار أو نحوه ، وظهورُ ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لَوح أو ثَوب .
وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن . وقد سبق قوله تعالى : { فأتبعه شهاب ثاقب } في سورة الصافات ( 10 ) ، ووقع في تفسير القرطبي } : والعرب تقول اثقُب نارك ، أي أضئها ، وساق بيتاً شاهداً على ذلك ولم يعزه إلى قائل .
والتعريف في { النجم } يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة :
أقول والنجمُ قد مَالت أواخِره *** البيت
فيستغرق جميع النجوم استغراقاً حقيقياً وكلها ثاقب فكأنه قِيلَ ، والنجوم ، إلا أن صيغة الإفراد في قوله : { الثاقب } ظاهر في إرادة فرد معيّن من النجوم ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالباً ، أي والنجم الذي هو طارق .
ويناسب أن يكون نجماً يَطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لِطروق الطارقين من السائرين . ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد ، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس ، وبه سميت صلاة المغرب « صلاةَ الشاهد » .
روى النسائي : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذه الصلاة ( أي العصر ) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها " إلى قوله : " ولا صلاة بعدَها حتى يطلع الشاهد " .
وقيل : أريد ب { الطارق } نوع الشهب ، روي عن جابر بن زيد : أن النجم الطارق هو كوكب زُحل ( لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه ) . وعنه : أنه الثريا ( لأن العرب تطلق عليها النجم علماً بالغَلبة ) ، وعن ابن عباس : أنه نجوم برج الجَدي ، ولعل ذلك النجم كان معهوداً عند العرب واشتهر في ذلك في نجم الثريا .
وقيل : أريد بالطارق نوع الشهب ( أي لأن الشهاب ينقضّ فيلوح كأنه يَجري في السماء كما يسير السائر إذا أدركه الليل ) . فالتعريف في لفظ { النجم } للاستغراق ، وخص عمومه بوقوعه خبراً عن ضمير { الطارق } أي أن الشهاب عند انقضاضه يرى سائراً بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر فأشبه إسراع السائر ليلاً ليبلغ إلى الأحياء المعمورة فإذا بلغها وقف سيره .
قوله تعالى : " والسماء والطارق " قسمان : " السماء " قسم ، و " الطارق " قسم . والطارق : النجم . وقد بينه اللّه تعالى بقوله : " وما أدراك ما الطارق . النجم الثاقب " . واختلف فيه ، فقيل : هو زحل : الكوكب الذي في السماء السابعة . ذكره محمد بن الحسن{[15916]} في تفسيره ، وذكر له أخبارا ، اللّه أعلم بصحتها . وقال ابن زيد : إنه الثريا . وعنه أيضا أنه زحل . وقاله الفراء . ابن عباس : هو الجدي . وعنه أيضا وعن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - والفراء : " النجم الثاقب " : نجم في السماء السابعة ، لا يسكنها غيره من النجوم ، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء ، هبط فكان معها . ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة ، وهو زحل ، فهو طارق حين ينزل ، وطارق حين يصعد . وحكى الفراء : ثقب الطائر : إذا ارتفع وعلا . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاعدا مع أبي طالب ، فانحط نجم ، فامتلأت الأرض نورا ، ففزع أبو طالب ، وقال : أي شيء هذا ؟ فقال : [ هذا نجم رمي به ، وهو آية من آيات اللّه ] فعجب أبو طالب ، ونزل : " والسماء والطارق " . وروي عن ابن عباس أيضا " والسماء والطارق " قال : السماء{[15917]} وما يطرق فيها . وعن ابن عباس وعطاء : " الثاقب " : الذي ترمي به الشياطين . قتادة : هو عام في سائر النجوم ؛ لأن طلوعها بليل ، وكل من أتاك ليلا فهو طارق . قال :
ومثلكِ حُبْلَى قد طرقتُ ومُرْضِعًا *** فألهيتُهَا عن ذي تمائمَ مُغْيِلِ{[15918]}
ألم ترياني كلما جئت طارقا *** وجدت بها طيبا وإن لم تَطَيَّبِ
فالطارق : النجم ، اسم جنس ، سمي بذلك لأنه يطرق ليلا ، ومنه الحديث : [ نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا ، كي تستحد المغيبة ، وتمتشط الشعثة{[15919]} ] . والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقا . يقال : طرق فلان إذا جاء بليل . وقد طرق يطرق طروقا ، فهو طارق . ولابن الرومي{[15920]} :
يا راقدَ الليل مسروراً بأوله *** إن الحوادث قد يطرُقْنَ أسحارا
لا تفرحَنَّ بليل طاب أوله *** فرب آخر ليل أجَّجَ النَّارَا
وفي الصحاح : والطارق : النجم الذي يقال له كوكب الصبح . ومنه قول هند{[15921]} :
نحن بناتُ طارقْ *** نمشي على النَّمَارِقْ
أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء . الماوردي : وأصل الطرق : الدق ، ومنه سميت المطرقة ، فسمي قاصد الليل طارقا ، لاحتياجه في الوصول إلى الدق . وقال قوم : إنه قد يكون نهارا . والعرب تقول : أتيتك اليوم طرقتين : أي مرتين . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : ( أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار ، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ) . وقال جرير في الطروق :
طَرَقَتْكَ صائدةُ القلوب وليس ذا *** حين الزيارة فارجِعِي بسلام
ثم بين فقال : " وما أدراك ما الطارق . النجم الثاقب " والثاقب : المضيء . ومنه " شهاب ثاقب{[15922]} " [ الصافات : 10 ] . يقال : ثقب يثقب ثقوبا وثقابة : إذا أضاء . وثقوبه : ضوئه . والعرب تقول : أثقب نارك . أي أضئها . قال :
أذاعَ به في الناس حتى كأنه *** بعلياءَ نار أُوقِدَتْ بثُقُوبِ
الثقوب : ما تشعل به النار من دقاق العيدان . وقال مجاهد : الثاقب : المتوهج . القشيري : والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم{[15923]} ، كما ذكرنا عن مجاهد . " وما أدراك ما الطارق " تفخيما لشأن هذا المقسم به . وقال سفيان : كل ما في القرآن " وما أدراك " ؟ فقد أخبره به . وكل شيء قال فيه " وما يدريك " : لم يخبره به .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.