التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} (7)

وأُطنب في وصف هذا الماء الدافق لإِدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علماً ويقيناً .

ووُصف أنه يخرج من { بين الصلب والترائب } لأن الناس لا يتفطنون لذلك .

والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب .

و { الصلب } : العمود العظمي الكائن في وسط الظهر ، وهو ذو الفقرات .

و { الترائب } : جمع تريبة ، ويقال : تَريب . ومحرّر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقُوَتَيْن والثَّديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة .

والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة ، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال .

وقوله : { يخرج من بين الصلب والترائب } الضمير عائد إلى { ماء دافق } وهو المتبادر فتكون جملة { يخرج } حالاً من { ماء دافق } أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه .

وبهذا قال سفيان والحسن ، أي أن أصل تكَوُّن ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب ، وليس المعنى أنه يمر بين الصلب والترائب إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب لأن الذي بينهما هو ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورِئَتَيْن .

فجعل الإِنسان مخلوقاً من ماء الرجل لأنه لا يتكوّن جسم الإنسان في رحم المرأة إلا بعد أن يخالطها ماء الرجل فإذا اختلط ماء الرجل بما يُسمى ماء المرأة وهو شيء رطب كالماء يحتوي على بُوَيضات دقيقة يثبت منها ما يتكوّن منه الجنين ويُطرح ما عداه .

وهذا مخاطبة للناس بما يعرفون يومئذ بكلام مجمل مع التنبيه على أن خلق الإِنسان من ماء الرجل وماءِ المرأة بذكر الترائب لأن الأشهر أنها لا تطلق إلا على ما بين ثديي المرأة .

ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة فيتكون من ماء الرجل وهو سائل فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب الحيوانات المنوية ، وهي خيوط مستطيلة مؤلفة من طرف مسطح بيضوي الشكل وذَنب دقيق كخيط ، وهذه الخيوط يكون منها تلقيح النسل في رحم المرأة ، ومقرها الأنثيان وهما الخصيتان فيندفع إلى رحم المرأة .

ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل ويسمى ماء المرأة ، وهو بويضات دقيقة كروية الشكل تكون في سائل مقره حُويصلة من حويصلات يشتمل عليها مَبيضان للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة ، وكل مَبيض يشتمل على عدد من الحُويصلات يتراوح من عشر إلى عشرين . وخروج البيضة من الحُويصلة يكون عند انتهاء نمو الحويصلة فإذا انتهى نموها انفجرتْ فخرجت البَيضة في قناة تبلغ بها إلى تجويف الرحم ، وإنما يتم بلوغ البيضة النموَّ وخروجُها من الحويصلة في وقت حيض المرأة فلذلك يكثر العلوق إذا باشر الرجل المرأة بقرب انتهاء حيضها .

وأصل مادة كِلا الماءين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف الأذنين ، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع ، وهو الصلب ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحَبْل المَنَوي مؤلف من شرايين وأوْرِدَةٍ وأعصابٍ وينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللتان تُفرزانِ المني فيتكون هنالك بكيفية دُهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنْثيان مادةً دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولَذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة .

وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحاملُ للبويضات التي منها النسل ، والحيض يسيل من فَوهات عروق في الرحم ، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطُّهر . والرحم يأتيها عصب من الدماغ .

وهذا من الإِعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علمٌ به للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة ، فقال : تغتسل إذا أبصرت الماء فقيل له : أترى المرأة ذلك فقال : وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك إذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه أعمامه » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} (7)

" يخرج " أي هذا الماء " من بين الصلب " أي الظهر . وفيه لغات أربع{[15928]} : صلب ، وصلب - وقرئ بهما - وصلب ( بفتح اللام ) ، وصالب ( على وزن قالب ) ، ومنه قول العباس{[15929]} :

تُنْقَلُ من صالبٍ إلى رَحِمٍ

" والترائب " أي الصدر ، الواحدة : تريبة ، وهي موضع القلادة من الصدر . قال :

مهفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَةٍ *** تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ{[15930]}

والصلب من الرجل ، والترائب من المرأة . قال ابن عباس : الترائب : موضع القلادة . وعنه : ما بين ثدييها ، وقاله عكرمة . وروي عنه : يعني ترائب المرأة : اليدين والرجلين والعينين ، وبه قال الضحاك . وقال سعيد بن جبير : هو الجيد . مجاهد : هو ما بين المنكبين والصدر عنه : الصدر . وعنه : التراقي . وعن ابن جبير عن ابن عباس : الترائب : أربع أضلاع من هذا الجانب . وحكى الزجاج : أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر ، وأربع أضلاع من يسرة الصدر . وقال معمر بن أبي حبيبة المدني : الترائب عصارة القلب ، ومنها يكون الولد . والمشهور من كلام العرب : أنها عظام الصدر والنحر{[15931]} . وقال دريد بن الصمة :

فإن تُدبروا نأخُذْكُم في ظهوركم *** وإن تُقبِلوا نأخذكم في الترائبِ

وقال آخر :

وبدت كأن ترائبا من نحرها *** جمرُ الغَضَى في ساعد تتوقد

وقال آخر :

والزعفرانُ على ترائبِهَا *** شَرِقٌ بِهِ اللبات والنحر{[15932]}

وعن عكرمة : الترائب : الصدر . ثم أنشد :

نظام دُر على ترائبها

وقال ذو الرمة :

ضَرَجْنَ البُرُودَ عن ترائب حرة{[15933]}

أي شققن . ويروى " ضرحن " بالخاء ، أي ألقين . وفي الصحاح : والتربية : واحدة الترائب ، وهي عظام الصدر ، ما بين الترقوة والثندوة . قال الشاعر :

أشرفَ ثَدياها على التَّرِيبِ{[15934]}

وقال المثقب العبدي :

ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ{[15935]} على تَرِيبٍ *** كلون العاج ليس بذي{[15936]} غُضُونِ

[ عن غير الجوهري : الثندوة للرجل : بمنزلة الثدي للمرأة . وقال الأصمعي : مغرز الثدي . وقال ابن السكيت : هي اللحم الذي حول الثدي ، إذا ضممت أولها همزت ، وإذا فتحت لم تهمز{[15937]} ] . وفي التفسير : يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من صلبه العظم والعصب . ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدم ، وقاله الأعمش . وقد تقدم مرفوعا في أول سورة " آل عمران " {[15938]} . والحمد لله - وفي ( الحجرات ) " إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " [ الحجرات :31 ] وقد تقدم{[15939]} . وقيل : إن ماء الرجل ينزل من الدماغ ، ثم يجتمع في الأنثيين . وهذا لا يعارض قوله : " من بين الصلب " ؛ لأنه إن نزل من الدماغ ، فإنما يمر بين الصلب والترائب . وقال قتادة : المعنى ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة . وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب ، وعليه فيكون معنى من بين الصلب : من الصلب . وقال الحسن : المعنى : يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل ، ومن صلب المرأة وترائب المرأة . ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن ؛ ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا{[15940]} . وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني . وأيضا المكثر من الجماع يجد وجعا في ظهره وصلبه ، وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء . وروى إسماعيل عن أهل مكة " يخرج من بين الصلُب " بضم اللام . ورويت عن عيسى الثقفي . حكاه المهدوي وقال : من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه ، فالضمير في " يخرج " للماء . ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة ، فالضمير للإنسان . وقرئ " الصلب " ، بفتح الصاد واللام . وفيه أربع لغات{[15941]} : صلب وصلب وصلب وصالب . قال العجاج :

في صَلَبٍ مثلِ العِنَانِ المؤدَمِ

وفي مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم :

تنقل من صالبٍ إلى رحم{[15942]}

الأبيات مشهورة معروفة .


[15928]:بل هي ثلاث فقط، أما صلب بضمتين، فضمة العين إتباع للفاء، وليست لغة ثانية (انظر تاج العروس: صلب).
[15929]:هو ابن عبد المطلب، يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام البيت: * إذا مضى عالم بدا طبق *
[15930]:البيت من معلقة امرئ القيس. والمهفهفة: الخفيفة اللحم، التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن. والمفاضة: المسترخية البطن. والسجنجل: المرآة. وقيل: سبيكة الفضة، أو الزعفران، أو ماء الذهب.
[15931]:في بعض نسخ الأصل: "أنها عظام النهد والصدر".
[15932]:البيت للمخبل. وشرق الجسد بالطيب امتلأ فضاق. واللبات (جمع لبة): موضع القلادة.
[15933]:تمام البيت: * وعن أعين قتلتنا كل مقتل *
[15934]:وتفلك ثدي الجارية: استدار. والنتوب: النهود، وهو ارتفاعه.
[15935]:كذا في بعض النسخ والطبري. وفي بعضها: "يسر" بالراء. وفي روح المعاني: "يبين". وفي اللسان وشعراء النصرانية "بلوح".
[15936]:في اللسان مادة (ترب): "... ليس له غضون". والبيت من قصيدة مكسورة القافية، مطلعها: أفاطم قبل بينك متعيني *** و منعك ما سألت كأن تبيني
[15937]:ما بين المربعين ساقط من بعض نسخ الأصل.
[15938]:راجع جـ 4 ص 7.
[15939]:راجع جـ 16 ص 343.
[15940]:وقال الأستاذ الإمام في تفسير جزء (عم): كنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.
[15941]:انظر ما سبق في ص 5.
[15942]:تمام البيت * إذا بدا عالم بدا طبق * وهو من قول للعباس بن عبد المطلب في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.