التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (95)

الجملة مستأنفة ابتدائية تعداد لأحوالهم . ومعناها ناشئ عن مضمون جملة { لن نؤمن لكم } [ التوبة : 94 ] تنبيهاً على أنهم لا يرعَوُون عن الكذب ومخادعة المسلمين ، فإذا قيل لهم { لن نؤمن لكم } [ التوبة : 94 ] حلفوا على أنهم صادقون ترويجاً لخداعهم : وهذا إخبار بما سيلاقِي به المنافقون المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو .

و { إذا } هنا ظرف للزمن الماضي . وحذف المحلوف عليه لظهوره ، ولتقدم نظيره في قوله : { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } [ التوبة : 42 ] إلا أن ما تقدم في حلفهم قبل الخروج .

والانقلاب : الرجوع ، وتقدم في قوله { انقلبتم على أعقابكم } في آل عمران ( 144 ) .

وصرح بعلة الحلف هنا أنه لقصد إعراض المسلمين عنهم ، أي عن عتابهم وتقريعهم ، للإشارة إلى أنهم لا يقصدون تطييب خواطر المسلمين ولكن أرادوا التملّص من مسبة العتاب ولَذْعِه . ولذلك قال في الآيتين الأخريين { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } [ التوبة : 62 ] { يحلفون لكم لترضَوا عنهم } [ التوبة : 96 ] لأنّ ذلك كان قبل الخروج إلى الغزو فلما فات الأمر وعلموا أن حلفهم لم يصدقه المسلمون صاروا يحلفون لقصد أن يُعرض المسلمون عنهم .

وأدخل حرف ( عن ) على ضمير المنافقين بتقدير مضاف يدل عليه السياق لظهور أنهم يريدون الإعراض عن لومهم . ففي حذف المضاف تهيئة لتفريع التقريع الواقع بعده بقوله : { فأعرضوا عنهم } ، أي فإذا كانوا يرومون الإعراض عنهم فأعرضوا عنهم تماماً .

وهذا ضرب من التقريع فيه إطماع للمغضوب عليه الطالب بأنّه أجيبت طِلبته حتى إذا تأمّل وجد ما طمع فيه قد انقلب عكس المطلوب فصار يأساً لأنهم أرادوا الإعراض عن المعاتبة بالإمساك عنها واستدامة معاملتهم معاملةَ المسلمين ، فإذا بهم يواجهون بالإعراض عن مكالمتهم ومخالطتهم وذلك أشد مما حلفوا للتفادي عنه . فهم من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه أو من القول بالموجَب .

وجملة : { إنهم رجس } تعليل للأمر بالإعراض . ووقوع ( إنّ ) في أولها مؤذن بمعنى التعليل .

والرجس : الخبث . والمراد تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس . فهو رجس معنوي . كقوله : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [ المائدة : 90 ] .

والمأوى : المصير والمرجع .

و { جزاء } حال من { جهنم } ، أي مجازاة لهم على ما كانوا يعملون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (95)

قوله تعالى : " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم " أي من تبوك . والمحلوف عليه محذوف ، أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج . " لتعرضوا عنهم " أي لتصفحوا عن لومهم . وقال ابن عباس : أي لا تكلموهم . وفي الخبر أنه قال عليه السلام لما قدم من تبوك : ( ولا تجالسوهم ولا تكلموهم ) . " إنهم رجس " أي عملهم رجس ، والتقدير : إنهم ذوو رجس ، أي عملهم قبيح . " ومأواهم جهنم " أي منزلهم ومكانهم . قال الجوهري : المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا . وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا ، على فعول ، وإواء . ومنه قوله تعالى : " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء{[8213]} " [ هود : 43 ] . وآويته أنا إيواء . وأويته إذا أنزلته بك ، فعلت وأفعلت ، بمعنى ، عن أبى زيد . ومأوي الإبل " بكسر الواو " لغة في مأوى الإبل خاصة ، وهو شاذ .


[8213]:راجع ج 9 ص 39.