التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} (10)

والتعريف في { السائل } تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي عمّا يُسال النبي صلى الله عليه وسلم عن مثله .

ويكون النشر على ترتيب اللف .

فإن فسر { السائل } بسائل معروف كان مقابل قوله : { ووجدك عائلاً فأغنى } [ الضحى : 8 ] وكان من النشر المشوش ، أي المخالف لترتيب اللف ، وهو ما درج عليه « الكشاف » .

والنهر : الزجر بالقول مثل أن يقول : إليك عني . ويستفاد من النهي عن القهر والنهر النهي عما هو أشد منهما في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء على المال وتركه محتاجاً وليس من النهر نهي السائل عن مخالفة آداب السؤال في الإِسلام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} (10)

الثالثة- قوله تعالى : " وأما السائل فلا تنهر " أي لا تزجره ، فهو نهى عن إغلاظ القول . ولكن رده ببذل يسير ، أو رد جميل ، واذكر فقرك ، قاله قتادة وغيره . وروي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ لا يمنعن أحدكم السائل ، وأن يعطيه إذا سأل ، ولو رأى في يده قلبين{[16161]} من ذهب ] . وقال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السُّؤَّال : يحملون زادنا إلى الآخرة . وقال إبراهيم النخعي : السائل بريد الآخرة ، يجيء إلى باب أحدكم فيقول : هل تبعثون إلى أهليكم بشيء . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : [ ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل ، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن ، ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم اللّه ] . وقيل : المراد بالسائل هنا ، الذي يسأل عن الدين ، أي فلا تنهره بالغلظة والجفوة ، وأجبه برفق ولين . قاله سفيان . قال ابن العربي : وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم ، على الكفاية ، كإعطاء سائل البر سواء . وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث ، ويبسط رداءه لهم ، ويقول : مرحبا بأحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي حديث أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري{[16162]} ، قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا ] . وفي رواية [ يأتيكم رجال من قبل المشرق ] . . . فذكره . و " اليتيم " و " السائل " منصوبان بالفعل الذي بعده ، وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء ، والتقدير : مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ، ولا تنهر السائل . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها : قلت يا رب اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، وسخرت مع داود الجبال يسبحن ، وأعطيت فلانا كذا ، فقال عز وجل : ألم أجدك يتيما فآويتك ؟ ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ ألم أشرح لك صدرك ؟ ألم أوتك ما لم أوت أحدا قبلك : خواتيم سورة البقرة ، ألم أتخذك خليلا ، كما اتخذت إبراهيم خليلا ؟ قلت : بلى يا رب )


[16161]:القلب (بضم وسكون): السوار.
[16162]:القائل هو أبو هارون العبدي.