التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ} (12)

استئناف مقرّر لمضمون الكلام السابق من قوله : { فأما من أعطى } إلى قوله : { للعسرى } [ الليل : 5 10 ] ، وذلك لإِلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتسابَ السيئات ، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات ، والتيْسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات . وذلك الميل هو المعبَّرُ عنه بالكسب عند الأشعري ، وسماه المعتزلة : قدرة العبد ، وهو أيضاً الذي اشتبه على الجبرية فسمَّوْه الجبر .

وتأكيد الخبر ب { إنَّ } ولام الابتداء يومىء إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإِنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم مَا دعاهم إليه لألجأهم إلى الإِيمان . فقد حكي عنهم في الآية الأخرى : { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } [ الزخرف : 20 ] .

وحرف ( على ) إذا وقع بين اسم وما يدل على فِعل يُفيد معنى اللزوم ، أي لازم لنا هُدَى الناس ، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم ، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلاً للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رُسلاً مبينين لما قد يخفى أمرُه من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ} (12)

" إن علينا للهدى " أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة . فالهدى : بمعنى بيان الأحكام ، قاله الزجاج . أي على اللّه البيان ، بيان حلال وحرامه ، وطاعته ومعصيته . قاله قتادة . وقال الفراء : من سلك الهدى فعلى اللّه سبيله ؛ لقوله : " وعلى الله قصد السبيل{[16115]} " [ النحل : 9 ] يقول : من أراد اللّه فهو على السبيل القاصد . وقيل : معناه إن علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال ، كقوله : " بيدك الخير{[16116]} " [ آل عمران : 26 ] ، و " بيده ملكوت{[16117]} كل شيء " [ يس : 83 ] . وكما قال : " سرابيل تقيكم الحر{[16118]} " [ النحل : 81 ] وهي تقي البرد ، عن الفراء أيضا . وقيل : أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه .


[16115]:آية 9 سورة النحل.
[16116]:آية 26 سورة آل عمران.
[16117]:آية 83 سورة يس.
[16118]:آية 81 سورة النحل.