التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (8)

وجملة : { أليس الله بأحكم الحاكمين } يجوز أن تكون خبراً عن ( ما ) والرابط محذوف تقديره : بأحكم الحاكمين فيه .

ويجوز أن تكون الجملة دليلاً على الخبر المخبر به عن ( مَا ) الموصولة وحُذف إيجازاً اكتفاء بذكر ما هو كالعلة له فالتقدير فالذي يكذبك بالدين يتولى الله الانتصاف منه أليس الله بأحكم الحاكمين .

والاستفهام تقريري .

و« أحكم » يجوز أن يكون مأخوداً من الحكم ، أي أقضى القضاة ، ومعنى التفضيل أن حكمه أسد وأنفذ .

ويجوز أن يكون مشتقاً من الحكمة . والمعنى : أنه أقوى الحاكمين حِكمةً في قضائه بحيث لا يخالط حكمه تفريط في شيء من المصلحة ونَوْطِ الخبر بذي وصف يؤذن بمراعاة خصائص المعنى المشتقِّ منه الوصفُ فلما أخبر عن الله بأنه أفضل الذين يحكمون ، عُلم أن الله يفوق قضاؤه كل قضاء في خصائص القضاء وكمالاته ، وهي : إصابة الحق ، وقطع دابر الباطل ، وإلزام كل من يقضي عليه بالامتثال لقضائه والدخول تحت حكمه .

روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من قرأ منكم { والتين والزيتون } [ التين : 1 ] فانتهى إلى قوله : { أليس الله بأحكم الحاكمين } فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (8)

قوله تعالى : { أليس الله بأحكم الحاكمين }

أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق . وقيل : " بأحكم الحاكمين " قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق . وفيه تقدير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم . وألف الاستفهام إذا دخلت عل النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار إيجابا ، كما قال :

ألستم خير من ركب المطايا{[16196]}

وقيل : " فما يكذبك بعد بالدين . أليس اللّه بأحكم الحاكمين " : منسوخة بآية السيف . وقيل : هي ثابتة ؛ لأنه لا تنافي بينهما . وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما إذا قرأ : " أليس اللّه بأحكم الحاكمين " قالا : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين " ، فيختار ذلك . واللّه أعلم . ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال : من قرأ سورة " والتين والزيتون " فقرأ " أليس اللّه بأحكم الحاكمين " فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين . واللّه أعلم .


[16196]:من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان. وتمامه: *وأندى العالمين بطون راح *