التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ} (5)

وجملة : { علم الإنسان ما لم يعلم } خبر عن قوله : { وربك الأكرم } وما بينهما اعتراض .

وتعريف { الإنسان } يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإِعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإِنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم .

وقد حصلتْ من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب وأن تحصيل العلوم يعتمد أموراً ثلاثة :

أحدها : الأخذ عن الغير بالمراجعة ، والمطالعة ، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية .

والثاني : التلقي من الأفواه بالدرس والإِملاء .

والثالث : ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات . وهذان داخلان تحت قوله تعالى : { علم الإنسان ما لم يعلم } .

وفي ذلك اطمئنان لنفس النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته لأن الله علّم الإنسان ما لم يعلم ، فالذي علّم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة .

وأشعر قوله : { ما لم يعلم } أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يُعلَم من قبل ، أي فلا يُؤْيِسَنَّك من أن تصير عالماً بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم . وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يُكتَب للنبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزل عليه من القرآن فمن أجل ذلك اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً للوحي من مبدإ بعثته .

وفي الاقتصار على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثم إخباره بأن الله علّم الإنسان بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وصف مكمِّل لإعجاز القرآن قال تعالى : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون } [ العنكبوت : 48 ] .

وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ} (5)

قوله تعالى : { علم الإنسان ما لم يعلم }

قيل : " الإنسان " هنا آدم عليه السلام . علمه أسماء كل شيء ، حسب ما جاء به القرآن في قوله تعالى : " وعلم آدم الأسماء كلها " {[16208]} . فلم يبق شيء إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة ، وذكره آدم للملائكة كما علمه . وبذلك ظهر فضله ، وتبين قدره ، وثبتت نبوته ، وقامت حجة اللّه على الملائكة وحجته ، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال ، ورأت من جلال القدرة ، وسمعت من عظيم الأمر . ثم توارثت ذلك ذريته خلفا بعد سلف ، وتناقلوه قوما عن قوم . وقد مضى هذا في سورة " البقرة " {[16209]}مستوفى والحمد لله . وقيل : " الإنسان " هنا الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم . دليله قوله تعالى : " وعلمك ما لم تكن تعلم " {[16210]} [ النساء : 113 ] . وعلى هذا فالمراد ب " علمك " المستقبل{[16211]} ، فإن هذا من أوائل ما نزل . وقيل : هو عام لقوله تعالى : " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " {[16212]} [ النحل : 78 ] .


[16208]:آية 31 سورة البقرة.
[16209]:راجع جـ 1 ص 279 طبعة ثانية.
[16210]:آية 113 سورة النساء.
[16211]:في نسخة: المشكل.
[16212]:آية 78 سورة النحل.