التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ} (7)

تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين ، لأن ما بعد الفاء من الكلام مسبّب عن البيان الذي قبل الفاء ، أي فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين رُدُّوا إلى أسفل سافلين ، فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان .

و ( مَا ) يَجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام توبيخي ، والخطاب للإِنسان المذكور في قوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } [ التين : 4 ] فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإِنسان المكذب .

وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فما يكذبه . ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإِنسان المكذب بالتوبيخ .

ومعنى { يكذبك } يَجعلك مُكذباً ، أي لا عذر لك في تكذيبك بالدين .

ومتعلق التكذيب : إمَّا محذوف لظهوره ، أي يجعلك مكذّباً بالرسول صلى الله عليه وسلم وأمّا المجرور بالباء ، أي يجعلك مكذباً بدين الإِسلام ، أو مكذباً بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة : { أليس الله بأحكم الحاكمين } مستأنفة للتهديد والوعيد .

و { الدين } يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة ، كقوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] وقوله : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً } [ آل عمران : 85 ] .

وعليه تكون الباء للسببية ، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئتَ به من الدين فالله يحكم فيه . ومعنى { يكذبك } : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين أو ما أنذرت به من الجزاء ، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين .

ويجوز أن يكون « الدين » بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله : { مالك يوم الدين } [ الفاتحة : 4 ] وقوله : { يصلونها يوم الدين } [ الانفطار : 15 ] وتكون الباء صلة ( يكذب ) كقوله : { وكذب به قومك وهو الحق } [ الأنعام : 66 ] وقوله : { قل إني على بينة من ربي وكذبتم به } [ الأنعام : 57 ] .

ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة وما صدْقُها المكذب ، فهي بمعنى ( مَن ) ، وهي في محل مبتدإ ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والضمير المستتر في { يكذبك } عائد إلى ( مَا ) وهو الرابط للصلة بالموصول ، والباء للسببية ، أي ينسبك إلى الكذب بسبب ما جئت به من الإِسلام أو من إثبات البعث والجزاء .

وحذف ما أضيف إليه { بعدُ } فبنيت بعدُ على الضم والتقدير : بعدَ تبيُّن الحق أو بعد تبيُّن ما ارتضاه لنفسه من أسفل سافلين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ} (7)

قوله تعالى : { فما يكذبك بعد بالدين }

قيل : الخطاب للكافر ؛ توبيخا وإلزاما للحجة . أي إذا عرفت أيها الإنسان أن اللّه خلقك في أحسن تقويم ، وأنه يردك إلى أرذل العمر ، وينقلك من حال إلى حال ، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء ، وقد أخبرك محمد صلى اللّه عليه وسلم به ؟ وقيل : الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي استيقن مع ما جاءك من اللّه عز وجل ، أنه أحكم الحاكمين ، روي معناه عن قتادة . وقال قتادة أيضا والفراء : المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين ، واختاره الطبري . كأنه قال : فمن يقدر على ذلك ، أي على تكذيبك بالثواب والعقاب ، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان والدين والجزاء . قال الشاعر :

دِنَّا تميما كما كانت أوائلُنا *** دانَتْ أوائلَهم في سالف{[16195]} الزمن


[16195]:في تفسير الشوكاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي (5: 453): من سالف.