التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ} (6)

استثناء متصل من عموم الإِنسان فلما أخبر عن الإِنسان بأنه ردّ أسفل سافلين ثم استثني من عمومه الذين آمنوا بقي غير المؤمنين في أسفل سافلين .

والمعنى : أن الذين آمنوابعد أن ردوا أسفل سافلين أيام الإِشراك صاروا بالإِيمان إلى الفطرة التي فطر الله الإِنسان عليها فراجعوا أصلهم إلى أحسن تقويم .

وعُطف { وعملوا الصالحات } لأن عمل الصالحات من أحسن التقويم بعد مجيء الشريعة لأنها تزيد الفطرة رسوخاً وينسحب الإِيمان على الأخلاق فيردها إلى فضلها ثم يهديها إلى زيادة الفضائل من أحاسنها ، وفي الحديث : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » .

فكان عطف { وعملوا الصالحات } للثناء على المؤمنين بأن إيمانهم باعث لهم على العمل الصالح وذلك حال المؤمنين حين نزول السورة فهذا العطف عطف صفة كاشفة .

وليس لانقطاع الاستثناء هنا احتمال لأن وجود الفاء في قوله : { فلهم أجر غير ممنون } يأباه كل الإِبايَة .

وفُرع على معنى الاستثناء وهو أنهم ليسوا ممن يرد أسفل سافلين الإِخبارُ بأن لهم أجراً عظيماً لأن الاستثناء أفاد أنهم ليسوا بأسفل سافلين فأريد زيادة البيان لفضلهم وما أعد لهم .

وتنوين { أجر } للتعظيم .

والممنون : الذي يُمنّ على المأجُور به ، أي لهم أجر لا يشوبه كدر ، ولا كدر أن يمنّ على الذي يعطاه بقول : هذا أجرك ، أو هذا عطاؤك ، فالممنون مَفْعول مَنّ عليه ، ويجوز أن يكون مفعولاً من مَنَّ الحبلَ ، إذا قطعه فهو منين ، أي مقطوع أو موشك على التقطع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ} (6)

قوله تعالى : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنه تكتب لهم حسناتهم ، وتمحى عنهم سيئاتهم ، قاله ابن عباس . قال : وهم الذين أدركهم الكبر ، لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم . وروى الضحاك عنه قال : إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة ، ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه ، أجرى اللّه عز وجل له ما كان يعمل في شبابه . وفي حديث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ إذا سافر العبد أو مرض كتب اللّه له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا ] . وقيل : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فإنه لا يخرف ولا يهرم{[16193]} ، ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا به . وعن عاصم الأحول عن عكرمة قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . وروي عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : [ طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ] . وروي : إن العبد المؤمن إذا مات أمر اللّه ملكيه{[16194]} أن يتعبدا على قبره إلى يوم القيامة ، ويكتب له ذلك .

" فلهم أجر غير ممنون " قال الضحاك : أجر بغير عمل . وقيل مقطوع .


[16193]:في حاشية الجمل نقلا عن القرطبي: "فهم لا يخرفون ولا تذهب عقولهم".
[16194]:في بعض النسخ الأصل: "ملائكة" وفي بعضها: "ملكين".