التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ} (27)

لما استوعب ما اقتضاه المقام من الوعيد والتهديد والإِنذار ختم الكلام بالبشارة للمؤمنين الذين تذكروا بالقرآن واتَّبعوا هديه على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة والعكس فإن ذلك مما يزيد رغبة الناس في فعل الخير ورهبتهم من أفعال الشر .

واتصالُ هذه الآية بالآيات التي قبلها في التلاوة وكتابة المصحف الأصل فيه أن تكون نزلت مع الآيات التي قبلها في نسق واحد . وذلك يقتضي أن هذا الكلام يقال في الآخرة . فيجوز أن يُقَال يومَ الجزاء فهو مقول قولٍ محذوف هو جواب ( إذا ) { إذا دكت الأرض } [ الفجر : 21 ] الآية وما بينهما مستطرد واعتراض .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ} (27)

وفي وسط هذا الهول المروع ، وهذا العذاب والوثاق ، الذي يتجاوز كل تصور تنادى " النفس " المؤمنة من الملأ الأعلى :

" يا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . وادخلي جنتي " . .

هكذا في عطف وقرب : " يا أيتها " وفي روحانية وتكريم : " يا أيتها النفس " . . وفي ثناء وتطمين . . " يا أيتها النفس المطمئنة " . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ} (27)

قوله تعالى : " يا أيتها النفس المطمئنة " لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم اللّه في إغنائه ، وإفقاره ، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى اللّه تعالى . فسلم لأمره ، واتكل عليه . وقيل : هو من قول الملائكة لأولياء اللّه عز وجل . والنفس المطمئنة " الساكنة الموقنة ، أيقنت أن اللّه ربها ، فأخبتت لذلك . قاله مجاهد وغيره . وقال ابن عباس : أي المطمئنة بثواب اللّه . وعنه المؤمنة . وقال الحسن : المؤمنة الموقنة . وعن مجاهد أيضا : الراضية بقضاء اللّه ، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها ، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها . وقال مقاتل : الآمنة من عذاب اللّه . وفي حرف أُبي بن كعب " يأيتها النفس الآمنة المطمئنة " . وقيل : التي عملت على يقين بما وعد اللّه في كتابه . وقال ابن كيسان : المطمئنة هنا : المخلصة . وقال ابن عطاء : العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين . وقيل : المطمئنة بذكر اللّه تعالى . بيانه " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله{[16063]} " [ الرعد : 38 ] . وقيل : المطمئنة بالإيمان ، المصدقة بالبعث والثواب . وقال ابن زيد : المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت ، وعند البعث ، ويوم الجمع . وروى عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال : يعني نفس حمزة . والصحيح أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع . قال الحسن البصري : إن اللّه تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن ، اطمأنت النفس إلى اللّه تعالى ، واطمأن اللّه إليها . وقال عمرو بن العاص : إذا توفي المؤمن أرسل اللّه إليه ملكين ، وأرسل معهما تحفة من الجنة ، فيقولان لها : اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية ، ومرضيا عنك ، اخرجي إلى روح وريحان ، ورب راض غير غضبان ، فتخرج كأطيب ريح المسك وجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض . وذكر الحديث . وقال سعيد بن زيد : قرأ رجل عند النبي صلى اللّه عليه وسلم " يا أيتها النفس المطمئنة " ، فقال أبو بكر : ما أحسن هذا يا رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ إن الملك يقولها لك يا أبا بكر ] . وقال سعيد بن جبير : مات ابن عباس بالطائف ، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط ، فدخل نعشه ، ثم لم ير خارجا منه ، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدري من تلاها - : " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " . وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين وقف بئر رومة{[16064]} . وقيل : نزلت في خُبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة ، وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فحول اللّه وجهه نحو القبلة . واللّه أعلم .


[16063]:آية 38 سورة الرعد.
[16064]:هي بئر بالمدينة.