التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ} (3)

و { والد } وقع منكراً فهو تنكيرَ تعظيم إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم . فتعين أن يكون المرادَ والداً عظيماً ، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله { وما ولد } .

والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد ب { والد } إبراهيمَ عليه السلام فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجَر قال تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] ثم قال : { ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } [ إبراهيم : 37 ] . وإبراهيم والد سُكان ذلك البلد الأصليين قال تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } [ الحج : 78 ] ، ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم .

و{ ما وَلد } موصول وصلة والضمير المستتر في { ولد } عائد إلى { والد } . والمقصود : وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية . وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمداً صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادُوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعِمارَةِ المسجد الحرام قال تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } [ آل عمران : 68 ] .

وجيء باسم الموصول { مَا } في قوله : { وما ولد } دون ( مَن ) مع أن ( مَن ) أكثرُ استعمالاً في إرادة العاقل وهو مراد هنا ، فعُدل عن ( مَن ) لأن { ما } أشدُّ إبهاماً ، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإِبهام لإرادة التفخيم ، ونظيره قوله تعالى : { واللَّه أعلم بما وضعت } [ آل عمران : 36 ] يعني مولوداً عجيبَ الشأن . ويوضِّح هذا أن { ما } تستعمل نَكرة تامة باتفاق ، و ( مَن ) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي .

ولان قوة الإِبهام في { ما } أنسب بإرادة الجماعة دون واحِدٍ معين ، ألا ترى إلى قول الحَكَم الأصم الفَزاري :

اللُّؤْم أكرم من وَبْرٍ ووالدهِ *** واللؤْمُ أكرمُ من وَبْر ومَا ولَدَا

يريد ومِن أولاده لا ولداً معيّناً .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ} (3)

ولعل هذا المعنى يرشح لاعتبار : ( ووالد وما ولد ) . . إشارة خاصة إلى إبراهيم ، أو إلى إسماعيل - عليهما السلام - وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به ، وبانيه الأول وما ولد . . وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو : والد وما ولد إطلاقا . وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية ، واعتمادها على التوالد . تمهيدا للحديث عن حقيقة الإنسان التي هي مادة السورة الأساسية .

وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من تفسيره للسورة في " جزء عم " لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه " الظلال " فنستعيرها منه هنا . . قال رحمه الله :

" ثم أقسم بوالد وما ولد ، ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود - وهو طور التوالد - وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع ، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ ، وإبلاغه حده من النمو المقدر له .

" فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو : من مقاومة فواعل الجو ، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر ، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان ، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذورا أخرى تعمل عملها ، وتزين الوجود بجمال منظرها - إذا أحضرت ذلك في ذهنك ، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان ، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم ، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع ، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم " . . انتهى . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ} (3)

قال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح : " ووالد " آدم : عليه السلام . " وما ولد " أي وما نسل من ولده . أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض ؛ لما فيهم من البيان والنطق والتدبير ، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى . وقيل : هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته ، وأما غير{[16073]} الصالحين فكأنهم بهائم . وقيل : الوالد إبراهيم . وما ولد : ذريته . قاله أبو عمران الجوني . ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته . ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته . قال الفراء : وصلحت " ما " للناس ، كقوله : " ما طاب لكم " [ النساء : 3 ] وكقوله : " وما خلق الذكر والأنثى " [ الليل : 3 ] وهو الخالق للذكر والأنثى ، وقيل : " ما " مع ما بعدها في موضع المصدر ، أي ووالد وولادته ، كقوله تعالى : " والسماء وما بناها " . وقال عكرمة وسعيد بن جبير : " ووالد " يعني الذي يولد له ، " وما ولد " يعني العاقر الذي لا يولد له . وقاله ابن عباس . و " ما " على هذا نفي . وهو بعيد ، ولا يصح إلا بإضمار الموصول ، أي ووالد والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين . وقيل : هو عموم في كل والد وكل مولود . قاله عطية العوفي . وروي معناه عن ابن عباس أيضا . وهو اختيار الطبري . قال الماوردي : ويحتمل أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم ، لتقدم ذكره ، وما ولد أمته : لقوله عليه السلام : [ إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ] . فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده ؛ مبالغة في تشريفه عليه السلام .


[16073]:في بعض نسخ الأصل: "وأما الطالحون".