التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ} (4)

عطف على جملة : { والضحى } [ الضحى : 1 ] فهو كلام مبتدأ به ، والجملة معطوفة على الجمل الابتدائية وليست معطوفة على جملة جواب القسم بل هي ابتدائية فلما نُفي القِلى بشّر بأن آخرته خير من أولاه ، وأن عاقبته أحسن من بدأته ، وأن الله خاتم له بأفضل مما قد أعطاه في الدنيا وفي الآخرة .

وما في تعريف « الآخرة » و { الأولى } من التعميم يجعل معنى هذه الجملة في معنى التذييل الشامل لاستمرار الوحي وغير ذلك من الخير .

والآخرة : مؤنث الآخرِ ، و { الأولى } : مؤنث الأوَّل ، وغلب لفظ الآخرة في اصطلاح القرآن على الحياة الآخرة وعلى الدار الآخرة كما غلب لفظ الأولى على حياة الناس التي قبل انخرام هذا العالم ، فيجوز أن يكون المراد هنا من كلا اللفظين كِلا معنييه فيفيد أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة تبشيراً له بالخيرات الأبدية ، ويفيد أن حالاته تجري على الانتقال من حالة إلى أحسن منها ، فيكون تأنيث الوصفين جارياً على حالتي التغليب وحالتي التوصيف ، ويكون التأنيث في هذا المعنى الثاني لمراعاة معنى الحالة .

ويومىء ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي سبقت ، أي تكفل الله بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد .

فاللام في « الآخرة » و { الأولى } لام الجنس ، أي كُلّ آجل أمره هو خير من عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى .

واللام في قوله : { لك } لام الاختصاص ، أي خير مختص بك وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي دِينه وفي أمته ، فهذا وعد من الله بأن ينشر دين الإِسلام وأن يمكِّن أمته من الخيرات التي يأملها النبي صلى الله عليه وسلم لهم . وقد روى الطبراني والبيهقي في « دلائل النبوءة » عن ابن عباس قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عُرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى : { وللآخرة خير لك من الأولى } "

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ} (4)

وما غاض معين فضله وفيض عطائه . فإن لك عنده في الآخرة من الحسنى خيرا مما يعطيك منها في الدنيا : ( وللآخرة خير لك من الأولى ) . . فهو الخير أولا وأخيرا . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ} (4)

روى سلمة عن ابن إسحاق قال : " وللآخرة خير لك من الأولى " أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد ، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا . وقال ابن عباس : أري النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يفتح اللّه على أمته بعده ؛ فسر بذلك ؛ فنزل جبريل بقوله : " وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى " . قال ابن إسحاق : الفلج في الدنيا ، والثواب في الآخرة . وقيل : الحوض والشفاعة . وعن ابن عباس : ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك . رفعه الأوزاعي ، قال : حدثني إسماعيل بن عبيدالله ، عن علي بن عبدالله بن عباس ، عن أبيه قال : أري النبي صلى اللّه عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته ، فسر بذلك ؛ فأنزل اللّه عز وجل " والضحى - إلى قوله تعالى - ولسوف يعطيك ربك فترضى " ، فأعطاه اللّه جل ثناؤه ألف قصر في الجنة ، ترابها المسك ؛ في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم . وعنه قال : رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار . وقال السدي . وقيل : هي الشفاعة في جميع المؤمنين . وعن علي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( يشفعني اللّه في أمتي حتى يقول اللّه سبحانه لي : رضيت يا محمد ؟ فأقول يا رب رضيت ) . وفي صحيح مسلم عن ، عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلا قول اللّه تعالى في إبراهيم : " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم{[16143]} " [ إبراهيم : 36 ] وقول عيسى : " إن تعذبهم فإنهم عبادك{[16144]} " [ المائدة : 118 ] ، فرفع يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي ) وبكى . فقال اللّه تعالى لجبريل : ( اذهب إلى محمد ، وربك أعلم ، فسله ما يبكيك ) فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فسأل فأخبره . فقال اللّه تعالى لجبريل : [ اذهب إلى محمد ، فقل له : إن اللّه يقول لك : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك{[16145]} ] . وقال علي رضي اللّه عنه لأهل العراق : إنكم تقولون إن أرجى آية في كتاب اللّه تعالى : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله{[16146]} " [ الزمر : 53 ] قالوا : إنا نقول ذلك . قال : ولكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب اللّه قوله تعالى : " ولسوف يعطيك ربك فترضى " . وفي الحديث : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ إذاً واللّه لا أرضى وواحد من أمتي في النار ] .


[16143]:آية 36 سورة إبراهيم.
[16144]:آية 118 سورة المائدة.
[16145]:رواية الحديث كما ورد في صحيح مسلم: كتاب الإيمان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم "رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني" الآية، وقول عيسى عليه السلام "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فرفع يديه وقال: "اللهم أمتي أمتي"، وبكى، فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك" فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: "يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك و لا نسوءك".
[16146]:آية 53 صورة الزمر.