التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} (3)

وجملة : { ما ودعك ربك } الخ جواب القسم ، وجواب القسم إذا كان جملة منفية لم تقترن باللام .

والتوديع : تحيةُ من يريد السفر .

واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيهاً بفراق المسافر في انقطاع الصلة حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة ، والقرينة إسناد ذلك إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالاً معهوداً .

وهذا نفي لأن يكون الله قطع عنه الوحي .

وقد عطف عليه : { وما قلى } للإِتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال بعضهم : ودَّعه ربه ، وقال بعضهم : قَلاه ربه ، يريدون التهكم .

وجملة : { وما قلى } عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها .

والقليْ ( بفتح القاف مع سكون اللام ) والقِلَى ( بكسر القاف مع فتح اللام ) : البغض الشديد ، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة .

والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة التي نزلت إثرها سورة المدثر ، فعن ابن عباس وابن جريج : « احتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً أو نحوها . فقال المشركون : إن محمداً ودَّعه ربه وقلاه ، فنزلت الآية » .

واحتباس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين :

أولاهما : قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، أي بعد نزول سورتين من القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من سورتي المزمل والمدثر ، وتلك الفترة هي التي خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد انقطع عنه الوحي ، وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في تفسير سورة المدثر ، وقد قيل : إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت أربعين يوماً ولم يشعر بها المشركون لأنها كانت في مبدإ نزول الوحي قبل أن يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليلاً .

وثانيتهما : فترة بعد نزول نحو من ثماننِ سور ، أي السور التي نزلت بعد الفترة الأولى فتكون بعد تجمع عشر سور ، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور .

والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة ، فالذي نظنه أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوماً وأنه ما كان إلا للرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم كي تسْتَجِمَّ نفسه وتعتاد قوته تحمُّل أعباء الوحي إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوماً ثم كانت الثانية اثني عشر يوماً أو نحوها ، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث ، وفي المرة الثالثة يحصل الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثاً ، وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة المدثر .

وحُذف مفعول { قلى } لدلالة { ودعك } عليه كقوله تعالى : { والذاكرين اللَّه كثيراً والذاكرات } [ الأحزاب : 35 ] وهو إيجاز لفظيّ لظهور المحذوف ومثله قوله : { فآوى } [ الضحى : 6 ] ، ف { هدى } [ الضحى : 7 ] { فأغنى } [ الضحى : 8 ] .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} (3)

وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر : ( ما ودعك ربك وما قلى ) . . ما تركك ربك ولا جافاك - كما زعم من يريدون إيذاء روحك وإيجاع قلبك وإقلاق خاطرك . . وهو( ربك )وأنت عبده المنسوب إليه ، المضاف إلى ربوبيته ، وهو راعيك وكافلك . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} (3)

قوله تعالى : " ما ودعك ربك " هذا جواب القسم . وكان جبريل عليه السلام أبطأ على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال المشركون : قلاه اللّه وودعه ، فنزلت الآية . وقال ابن جريج : احتبس عنه الوحي اثني عشر يوما . وقال ابن عباس : خمسة عشر يوما . وقيل : خمسة وعشرين يوما . وقال مقاتل : أربعين يوما . فقال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه ، ولو كان أمره من اللّه لتابع عليه ، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء . وفي البخاري عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يقم ليلتين أو ثلاثا ، فجاءت امرأة{[16134]} فقالت : يا محمد ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ، فأنزل اللّه عز وجل " والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى " .

وفي الترمذي عن جندب البجلي قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في غار فدميت إصبعه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل اللّه ما لقيت ] قال : وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون : قد ودع محمد ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى : " ما ودعك ربك وما قلى " . هذا حديث حسن صحيح . لم يذكر الترمذي : " فلم يقم ليلتين أو ثلاثا " أسقطه الترمذي . وذكره البخاري ، وهو أصح ما قيل في ذلك . واللّه أعلم . وقد ذكره الثعلبي أيضا عن جندب بن سفيان البجلي ، قال : رُمي النبي صلى اللّه عليه وسلم في إصبعه بحجر ، فدميت ، فقال : [ هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل اللّه ما لقيت ] فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم الليل . فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ، فنزلت " والضحى " . وروى عن أبي عمران الجوني قال : أبطأ جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى شق عليه ، فجاء وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو ، فنكت بين كتفيه ، وأنزل عليه : " ما ودعك ربك وما قلى " . وقالت خولة - وكانت تخدم النبي صلى اللّه عليه وسلم - : إن جروا دخل البيت ، فدخل تحت السرير فمات ، فمكث نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي . فقال : [ يا خولة ، ما حدث في بيتي ؟ ما لجبريل لا يأتيني ] قالت خولة فقلت : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا جرو ميت ، فأخذته فألقيته خلف الجدار ، فجاء نبي اللّه ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال : [ يا خولة دثريني ] فأنزل اللّه هذه السورة . ولما نزل جبريل سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التأخر فقال : [ أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ] . وقيل : لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف قال : [ سأخبركم غدا ] . ولم يقل إن شاء اللّه . فاحتبس عنه الوحي ، إلى أن نزل جبريل عليه بقوله : " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله{[16135]} " [ الكهف : 23 ] فأخبره بما سئل عنه . وفي هذه القصة نزلت " ما ودعك ربك وما قلى " . وقيل : إن المسلمين قالوا : يا رسول اللّه ، مالك لا ينزل عليك الوحي ؟ فقال : [ وكيف ينزل علي وأنتم لا تنقون رواجبكم - وفي رواية براجمكم{[16136]} - ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ] . فنزل جبريل بهذه السورة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ ما جئت حتى اشتقت إليك ] فقال جبريل : [ أنا كنت أشد إليك شوقا ، ولكني عبد مأمور ] ثم أنزل عليه " وما نتنزل إلا بأمر ربك{[16137]} " [ مريم : 64 ] . " ودعك " بالتشديد : قراءة العامة ، من التوديع ، وذلك كتوديع المفارق . وروي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرآه " ودعك " بالتخفيف ، ومعناه : تركك . قال :

وثم وَدَعنا آلَ عمرو وعامر *** فرائسَ أطراف المثقفة{[16138]} السمْرِ

واستعماله قليل . يقال : هو يدع كذا ، أي يتركه . قال المبرد محمد بن يزيد : لا يكادون يقولون ودع ولا وذر ، لضعف الواو إذا قدمت ، واستغنوا عنها بترك .

قوله تعالى : " وما قلى " أي ما أبغضك ربك منذ أحبك . وترك الكاف ، لأنه رأس آية . والقلى : البغض ، فإن فتحت القاف مددت ، تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء . كما تقول : قريت الضيف أقريه قِرىً وقِراء . ويقلاه : لغة طيء . وأنشد ثعلب :

أيامَ{[16139]} أمِّ الغَمْر لا نَقْلاها

أي لا نبغضها . ونقلي أي نبغض . وقال{[16140]} :

أسِيئي بنا أو أحسني لا ملومةٌ *** لدينا ولا مَقْلِيَّةٌ إن تَقَلَّتِ

وقال امرؤ القيس :

ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلاَلِ ولا قالِ{[16141]}

وتأويل الآية : ما ودعك ربك وما قلاك . فترك الكاف لأنه رأس آية ، كما قال عز وجل : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات{[16142]} " [ الأحزاب : 35 ] أي والذاكرات اللّه .


[16134]:هي العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان، وهي حمالة الحطب، زوج أبي لهب.
[16135]:آية 23 سورة الكهف.
[16136]:الرواجب (واحدها راجبة): وهي ما بين عقد الأصابع. والبراجم (واحدها برجمة بالضم): هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ.
[16137]:آية 64 سورة مريم.
[16138]:المثقفة والمثقف: الرمح.
[16139]:كذا في اللسان. وفي الأصول: "يا رب". وبعده كما في اللسان: * ولو نشاء قبلت عيناها *
[16140]:هو كثير عزة.
[16141]:صدر البيت: *صرفت الهوى عنهن من خشية الردى *
[16142]:آية 35 سورة الأحزاب.