معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (63)

قوله تعالى : { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر }إذا سافرتم { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي : قدام المطر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (63)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أمن يهديكم في ظلمات} يقول: أم من يرشدكم في أهوال {البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} يقول: يبسط السحاب قدام المطر، كقوله في عسق: {وينشر رحمته} [الشورى:28] يعنى ويبسط رحمته بالمطر. {أإله مع الله} يعينه على صنعه عز وجل، ثم قال: {تعالى الله}... يعظم نفسه جل جلاله {عما يشركون} به من الآلهة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يهديكم في ظلمات البرّ والبحر إذا ضللتم فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السبل فيهما؟... قوله: {وَمَنْ يُرْسِلُ الرّياحَ نُشْرا بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يقول: والذي يرسل الرياح نشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته، يعني: قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض. وقوله: {أإلَهٌ مَعَ اللّهِ تَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالى ذكره: أإله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه، أو تشركوه في عبادتكم إياه. "تَعَالى اللّهُ "يقول: لله العلوّ والرفعة عن شرككم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مبشِّرة، قاله ابن عباس وتأويل من قرأ بالباء. الثاني: منشرة، قاله السدي وهو تأويل من قرأ بالنون. الثالث: ملقِّحات، قاله يحيى بن سلام.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر "بما نصب لكم من الدلالات التي تستدلون بها، من الكواكب وغيرها.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{يَهْدِيكُمْ} بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض: إذا جنّ الليل عليكم مسافرين في البر والبحر.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{أمَّن يهديكم} أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية {في ظلمات البر} أي بالنجوم والجبال والرياح، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك {والبحر} بالنجوم والرياح. ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير، كان بعضها من أدلة المطر، قال: {ومن يرسل الرياح} أي التي هي من دلائل السير {نشراً} أي تنشر السحاب وتجمعها {بين يدي رحمته} أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب... ولما انكشف بما مضى من الآيات ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات، واتضحت الأدلة، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة، كرر سبحانه الإنكار في قوله: {أإله مع الله} أي الذي كمل علمه فشملت قدرته. ولما ذكر حالة الاضطرار، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر، وكانوا في البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجباً دائماً، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام، معرضاً عنهم... إعراض من بلغ به الغضب: {تعالى الله} أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له {عما يشركون}، أي فإن شيئاً منها لا يقدر على شيء من ذلك، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يمضي السياق إلى بعض الحقائق الأخرى الممثلة في حياة الناس ونشاطهم على هذا الكوكب، ومشاهداتهم التي لا تنكر: (أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر، ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون!)... والناس -ومنهم المخاطبون أول مرة بهذا القرآن- يسلكون فجاج البر والبحر في أسفارهم؛ ويسبرون أسرار البر والبحر في تجاربهم.. ويهتدون.. فمن يهديهم؟ من أودع كيانهم تلك القوى المدركة؟ من أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات وبالمعالم؟ من وصل فطرتهم بفطرة هذا الكون، وطاقاتهم بأسراره؟ من جعل لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات، ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء؟ ولحواسهم تلك القدرة على التقاط المحسوسات؟ ثم جعل لهم تلك الطاقة المدركة المسماة بالعقل أو القلب للانتفاع بكل المدركات، وتجميع تجارب الحواس والإلهامات؟ من؟ أإله مع الله؟ (ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته؟).. والرياح مهما قيل في أسبابها الفلكية والجغرافية، تابعة للتصميم الكوني الأول، الذي يسمح بجريانها على النحو الذي تجري به، حاملة السحب من مكان إلى مكان، مبشرة بالمطر الذي تتجلى فيه رحمة الله، وهو سبب الحياة. فمن الذي فطر هذا الكون على خلقته، فأرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته؟ من؟ (أإله مع الله؟).. (تعالى الله عما يشركون!)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ذكر الهداية في ظلمات الليل في البرّ والبحر. وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى (في). والهُدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97]. فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك، وبأن ركّب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها، وهداهم أيضاً بمهاب الرياح، وخوّلهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها، وحرارتها وبردها. وبهذه المناسبة أُدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعنيّ برحمة الله. وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها...

وذُيّل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَديْ رَحْمَتِهِ} عندما تحسّ الأرض بالظمأ والجفاف، ويشعر الإنسان بالعطش، فتأتي الرياح العاصفة لتوحي بأن الأرض سترتوي بالماء الذي يفيض في جنباتها ويملأ خزاناتها، ويبعث الحياة في حبّات التراب، وبأنّ الإنسان سوف يجد ما يبلّ به عروقه، ويعيد إليه الحيوية من جديد. وهكذا تنطلق الرياح لتزرع الحلم في الكون، ولتدفع بالبشارة إلى وجدانه، قبل أن تنزل الرحمة وهي المطر الذي يبعث الحياة في أعماق الأرض والإنسان، ليجتمع الحلم والواقع في نعمة الله. إنه الله وحده الذي يرسل ذلك، ويفيض على الكون بالرحمة، فكيف يشرك الإنسان به؟ وهل هناك غيره من يملك ذلك كله؟ {أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} لأن كل هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئاً من القدرة يقترب من قدرة الله، فكيف يمكن أن يكونوا شركاء وليس لهم من قدرةٍ إلا من خلاله؟

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

فالرياح التي تدل على نزول الغيث، وكأنّها رسل البشرى تتحرك قبل نزول الغيث، إنّها في الحقيقة تهدي الناس إلى الغيث أيضاً. والتعبير ب (بشراً) في شأن الرياح، والتعبير ب (بين يدي رحمته) في شأن الغيث، كلاهما تعبيران طريفان لأنّ الرياح هي التي تحمل الرطوبة في الجو وتنقل أبخرة الماء من على وجه المحيطات بشكل قطعات من السحب على متونها، إلى النقاط اليابسة، وتخبر عن قدوم الغيث! وكذلك الغيث الذى ينشد نغمة الحياة على وجه البسيطة، وحيثما نزل حلت البركة والرحمة.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (63)

ولما ذكر آيات الأرض ، وختم بالمضطر ، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة ، أتبعها آيات السماء ذاكراً ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال : { أمَّن يهديكم } أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية { في ظلمات البر } أي بالنجوم والجبال والرياح ، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك { والبحر } بالنجوم والرياح .

ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير ، كان بعضها من أدلة المطر ، قال : { ومن يرسل الرياح } أي التي هي من دلائل السير { نشراً } أي تنشر السحاب وتجمعها { بين يدي رحمته } أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب ؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع : الصبا ، والدبور ، والشمال ، والجنوب ، وهي أضعف الدلائل ؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها : الرياح أربع : الشمال ، وهي التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني : وذلك ما بين مطالع الشمس الصيفية وبنات نعش ، وهي في الصيف حارة ، واسمها البارح ، والجنوب تقابلها ، والصبا من مطلع الشمس وهي القبول ، والدبور تقابلها ، ويقال الجنوب : النعامى والأرنب - انتهى .

وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح ، وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة : إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر ، وقال : وقد اختلف أهل العلم بهذا الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - اختلافاً متبايناً ، وأقرب ذلك - على ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء إلى مطلع سهيل ، وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع ، وقال صاحب القاموس : والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، وقال : والقبول كصبور : ريح الصبا ، لأنها تقابل الدبور ، أو لأنها تقابل باب الكعبة ، أو لأن النفس تقلبها . وقال الإمام أبو عبد الله القزاز : الصبا : الريح التي تهب من مطلع الشمس ، والقبول : الريح التي تهب من مطلع الشمس ، وذلك لأنها تستقبل الدبور ، وقيل : لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا ، فقد اتفقت أقولهم كما ترى على خلاف ابن القاص ، وقال ابن القاص : وهي - أي الصبا - ريح معها روح وخفة ، ونسيم تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل ، ولها برد يقرص أشد من هبوبها ، وتلقح الأشجار ، ولا تهب إلا بليل ، سلطانها إذا أظلم الليل ، إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس ، وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين ، والجنوب تهب ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف . وقال في القاموس : والجنوب : ريح تخالف الشمال ، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، وعن ابن هشام اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية . وفي الجمع بين العباب والمحكم : والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة ، وقيل : هي من الرياح ما استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة ، قال ابن الأعرابي : ومهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، وقال الأصمعي : إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح ، وإذا جاءت الشمال نشفت ، ويقال للمتصافيين : ريحهما جنوب ، وإذا تفرقا قيل : شملت ريحهما ، وعن ابن الأعرابي : الجنوب في كل موضع حارة إلا بنجد فإنها باردة ؛ وقال ابن القاص : وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء أكثر لأنها موكلة بالسحاب ، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار ، ومع ذلك فتراها تؤلف الغيم في السماء ، فتراه متراكماً مشحوناً ، قال : وسمعت من يقول : ما اشتد هبوبها إلا خيف المطر ، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر ، وهي تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض ، وهي من ريح الجنة . والدبور - قال في القاموس : ريح تقابل الصبا ، وقال القزاز : هي التي تأتي من دبر الكعبة وهي التي تقابل مطلع الشمس ، وقال ابن القاص : تهب ما بين مغارب الشمس في الصيف إلى مطلع بنات نعش ، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء ، وهي إذا هبت تثير الغبار .

وتكسح الأرض . وترفع الذيول ، وتضرب الأقدام ، وأشد ما تثير الغبار إذا تنكبت ، تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض ، وترى الأشجار في البوادي والرمال لها دوي من ناحية الدبور ، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي الجنوب عارياً مكشوفاً متحفزاً وقوتها في الأرض - والله أعلم ، لأن عاداً أو عدت بالتدمير بالرياح ، فحفرت الآبار واستكنت فيها ، فبعث الله الدبور فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم . والشمال - قال في القاموس : الريح التي تهب من قبل الحجر ، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطله الشمس وبنات نعش ، أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر ، ولا تكاد تهب ليلاً . وقال القزاز : هي الريح التي تأتي عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس ، والعرب تقول : إن الجنوب قالت للشمال : إن لي عليك فضلاً ، أنا أسري وأنت لا تسرين ، فقالت الشمال : إن الحرة لا تسرين ، وقال الصغاني في مجمع البحرين : والشمال : الريح التي تهب من ناحية القطب ، وعن أبي حنيفة : هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام ، وفي الجمع بين العباب والمحكم ، والبوارح : شدة الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة ، وقيل : البوارح : الرياح الشدائد التي تحمل التراب ، واحدتها بارح ، والجربياء : الريح التي بين الجنوب والصبا ، وقيل : هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور ، وهي ريح تقشع السحاب ، وقيل هي الشمال ، وجربياؤها بردها - قاله الأصمعي ، وقال الليث : هي الشمال الباردة ، وقال ابن القاص : والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في الشتاء ، وهي تقطع الغيم وتمحوها ، ولذلك سميت الشمال المحوة ، قال : وهذا بأرض الحجاز ، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيماً واستداره ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه ، والجنوب والشمال متماثلتان ، لأنهما موكلتان بالسحاب ، فالجنوب تطردها وهي مشحونة ، والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت ، قال أبو عبيدة : الشمال عند العرب للروح ، والجنوب للأمطار والندى ، والدبور للبلاء ، وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي العيون ، والصبا لإلقاح الشجر ، وكل ريح من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء ، وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي وصفن قبل - انتهى . وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس وسبب اختيار البدو : إن شخصاً من خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء منها الرياح فقال : ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب ، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال ، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور ، وما جاء من قبل ذلك فهي صبا ، ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال : يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قماً ، ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب ، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه ، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب .

ولما انكشف بما مضى من الآيات . ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات ، واتضحت الأدلة ، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة . كرر سبحانه الإنكار في قوله : { أإله مع الله } أي الذي كمل علمه فشملت قدرته .

ولما ذكر حالة الاضطرار ، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر ، وكانوا في البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم ، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجباً دائماً ، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام ، معرضاً عنهم بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب : { تعالى الله } أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له { عما يشركون } ، أي فإن شيئاً منها لا يقدر على شيء من ذلك ، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة .