{ ذلك } إشارة إلى ما حل بهم . { بأن الله } بسبب أن الله . { لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم } مبدلا إياها بالنقمة . { حتى يغيّروا ما بأنفسهم } يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ ، كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل بمعاداة الرسول عليه الصلاة والسلام ومن تبعه منهم ، والسعي في إراقة دمائهم والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد المبعث ، وليس السبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم حتى يغيروا حالهم بل ما هو المفهوم له وهو جري عادته على تغييره متى يغيروا حالهم ، وأصل يك يكون فحذفت الحركة للجزم ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم النون لشبهه بالحروف اللينة تخفيفا . { وأن الله سميع } لما يقولون . { عليم } بما يفعلون .
{ ذلك } اشارة إلى ما يفيده النظم الكريم من كون ما حل بهم من العذاب منوطاً بأعمالهم السيئة غير واقع بلا سابقة ما يقتضية ، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه : { بِأَنَّ الله } إلى آخره ، والباء للسببية ، والجملة مسوقة لتعليل ما أشير إليه أي ذلك كائن بسبب أن الله سبحانه { لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا } أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة أي نعمة كانت جلت أو هانت أنعم بها { على قَوْمٍ } من الأقوام { حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } أي ذواتهم من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستهم للنعمة ويتصفوا بما ينافيها سواء كانت أحوالهم السابقة مرضية صالحة أو أهون من الحالة الحادثة كدأب كفرة قريش المذكورين حيث كانوا قبل البعثة كفرة عبدة أصنام مستمرين على حال مصححة لافاضة نعم الامهال وسائر النعم الدنيوية عليهم كصلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل عليهم السلام فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم غيروها على أسوء حال منها وأسخط حيث كذبوه عليه الصلاة والسلام وعادوه ومن تبعه من المؤمنين وتحزبوا عليهم وقطعوا أرحامهم فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم من نعمة الامهال ووجه إليهم نبال العقاب والنكال ، وقيل : إنهم لما كانوا متمكنين من الايمان ثم لم يؤمنوا كان ذلك كأنه حاصل لهم فغيروه كما قيل في قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة : 16 ] ولا يخلو عن حسن . وجعل بعضهم الإشارة إلى ما حل بهم ثم أنه لما رأى أن انتفاء تغيير الله تعالى حتى يغيروا لا يقتضي تحقق تغييره إذا غيروا وأن العدم ليس سبباً للوجود هنا وأيضاً عدم التغيير صارف عما حل بهم لا موجب له بحسب الظاهر قال : إن السبب ليس منطوق الآية بل مفهومها ، وهو جرى عادته سبحانه على التغيير حين غيروا حالهم فالسبب ليس انتفاء التغيير بل التغيير ، قيل : وإنما أوثر التعبير بذلك لأن الأصل عدم التغيير من الله تعالى لسبق إنعامه ورحمته ولأن الأصل فيهم الفطرة وأما جعله عادة جارية فبيان لما استقر عليه الحال من ذلك لا أن كونه عادة له دخل في السببية ، ولا يخفى أن ما ذكرناه أسلم من القيل والقال على أن ما فعله البعض لا يخلو بعد عن مقال فتدبر ، وأصل { يَكُ } يكن فحذفت النون تخفيفاً لشبهها بأحرف العلة في أنها من الزوائد وهي تحذف من أحرف المجزوم فلذا حذفت هذه وهو مختص بهذا الفعل لكثرة استعماله { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } عطف على { إِنَّ الله } الخ داخل معه في حيز التعليل ، أي وسبب أنه تعالى سميع عليم يسمع ويعلم جميع ما يأتون ويذرون من الأقوال والأفعال السابقة واللاحقة فيرتب على كل منها ما يليق من إبقاء النعمة وتغييرها . وقرىء { وَأَنَّ الله } بكسر الهمزة فالجملة حينئذ استئناف مقرر لمضمون ما قبله .
( ومن باب الإشارة ) :{ ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [ الأنفال : 53 ] أي حتى يفسدوا استعدادهم فلا تبقى لهم مناسبة للخير وحينئذٍ يغير سبحانه النعمة إلى النقمة لطلبهم إياها بلسان الاستعداد وإلا فالله تعالى أكرم من أن يسلب نعمة شخص مع بقاء استحقاقها فيه .
وقوله : { ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ . . . } بيان لسنة من سننه - تعالى - في خلقه ، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار ، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإِشارة : { ذلك } يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله - تعالى - { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } .
وهو ، أى : اسم الإِشارة مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - { بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً . . } إلخ .
والمعنى : ذلك الذي نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهيى ، فقد جرت سنته - سبحانه - في خلقه ، واقتضت حكمته في حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب ، واجتراح السيئات ، فإذا لم يتلق الناس نعمه - عز وجل - بالشكر والطاعة ، وقابلوها بالكفر والعصيان ، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا .
وشبيه بهذا قوله - تعالى - في آية أخرى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } قال الفخر الرازى : قال القاضى : معنى الآية أنه - تعالى - أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل ، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم ، والمنح بالمحن .
قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه - تعالى - لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة .
وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما كان من تغيير آل فرعون ومشركى مكة حتى غير الله نعمته عليهم ، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة ؟ .
قلت : كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة ، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم كفرة عبدة أصنام ، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه ، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت ، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإِمهال وعاجلهم بالعذاب .
وقوله : { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } معطوف على قوله : { بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً } إلخ .
أى : ذلك التعذيب بسبب جحودهم لنعم ، وبسبب أنه - سبحانه - سميع لما نطقوا به من سوء ، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات ، وقد عاقبتهم على ذلك بما يستحقون من عذاب : { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
قوله تعالى : { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم 53 كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين } .
{ ذلك } ، إشارة إلى ما حل بالظالمين جميعا من عقوبة الهلاك والتدمير ؛ فقد فعل الله بهم ذلك بأنهم غيروا ما انعم الله عليهم ؛ إذ ابتعث فيهم رسله يحلمون لهم البينات والدلائل فجحدوا وكذبوا وعتوا عتوا كبيرا . أو أنهم جوزوا هذا الجزاء الأليم ؛ لأنهم غيروا وبدلوا نعمة الله عليهم . وأنعم الله عليهم كثيرة ، فمنهما : نعمة الأمن والخصب والسعة والعافية . فالله لم يذهب النعمة عن هؤلاء الفاسقين ، ولم يبدلها بالنقمة حتى يبدلوا هم ما بهم من حال إلى حال أسوأ . وذلك كتغير قريش حالهم من مجرد الشرك وعبادة الأصنام إلى ما هو أعتى ، كالصد عن دين الله ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من المؤمنين ، وإلحاق الأذى والشر بهم وتكذيب الكتاب الحكيم والاستهزاء به .
وكذلك الأمم الظالمة ، ومن ورائها الدول المغالية في الظلم والعدوان ، والموغلة في تدمير القيم والمرواءت ، والتي تعيث في الدنيا الفساد والفتن ، والتي تتجرع من دواهيها وويلاتها الشعوب الملظومة المغلوبة كل ألوان الشقاء والحرمان والاغتصاب .
إن هذه الأمم العاتية الجاحدة وفي طليعتها القيادات الضالعة في الرجس والعدوان واستعباد الشعوب وظلمهما لا بد أن تحيق بها دائرة الهون والتداعي . وأن تزلزلها الضربات الإلهية المقدورة . وعندما يأذن الله بذلك ينزل بساحتهم البلاء ويأخذهم العذاب في هذه الدنيا من حيث لا يحتسبون . فإن الله عزيز منتقم يأخذ الظالمين المتجبرين وهو لهم بالمرصاد .
قوله : { وأن الله سميع عليم } الله سميع لما يقول المبطلون الظالمون ، وما يهذون به من ضلال وإشراك وكفران . وهو كذلك عليم بما يفعله هؤلاء الأشقياء المقبوحون من تضليل البشرية وصدها عن منهج الله ، واصطناعها الأكاذيب والافتراءات والشبهات من حول هذا الدين الحق .