{ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده } سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم ، وفيه دليل على أن النبوة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى . { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } أي ليس إلينا الإتيان بالآيات ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات . { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم ، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا .
{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ } مجاراة لأول مقالتهم : { إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } كما تقولون وهذا كالقول بالموجب لأن فيه إطماعاً في الموافقة ثم كر إلى جانبهم بالإبطال بقولهم عليهم السلام : { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي إنما اختصنا الله تعالى بالرسالة بفضل منه سبحانه وامتنان ، والبشرية غير مانعة لمشيئته جل وعلا ، وفيه دليل على أن الرسالة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئته تعالى ، ولا يخفى ما في العدول عن ولكن الله من علينا إلى ما في النظم الجليل من التواضع منهم عليهم السلام ، وقيل : المعنى ما نحن من الملائكة بل نحن بشر مثلكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس ولكن الله تعالى يمن على من يشاء بالفضائل والكمالات والاستعدادات التي يدور عليها فلك الاصطفاء للرسالة ، وفي هذا ذهاب إلى قول بعض حكماء الإسلام : إن الإنسان لو لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصاً بخواص شريفة علوية قدسية فإنه يمتنع عقلاً حصول صفة النبوة فيه ، وأجابوا عن عدم ذكر المرسلين عليهم السلام فضائلهم النفسانية والبدنية بأنه من باب التواضع كاختيار العموم ، والحق منع الامتناع العقلي وإن كانوا عليهم السلام جميعاً لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم ، وإنما قيل لهم كما قيل : لاختصاص الكلام بهم حيث أريد الزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك فيه تعالى فإنه عام وإن اختص بهم ما يعقبه { وَمَا كَانَ لَنَا } أي ما صح ما استقام { أن نأتيكم بسلطان } أي بحجة ما من الحجج فضلاً عن السلطان المبين الذي اقترحتموه بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا { وَعَلَى الله } وحده دون ما عداه مطلقاً { فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم ، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل من الإيمان وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً ، ويدل على ذلك قولهم : { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله }
( ومن باب الإشارة ) :{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } سلموا لهم المشاركة في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة ما من الله تعالى به عليهم مما يرشحهم لذلك ، وكثيراً ما يقول المنكرون في حق أجلة المشايخ مثل ما قال هؤلاء الكفرة في حق رسلهم والجواب نحو هذا الجواب { وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ إبراهيم : 11 ] جواب عن قول أولئك : { فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ } [ إبراهيم : 10 ] ويقال نحو ذلك للمنكرين الطالبين من الولي الكرامة تعنتاً ولجاجاً { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } [ إبراهيم : 11 ] لأن الإيمان يقتضي التوكل وهو الخمود تحت الموارد ، وفسره بعضهم بأنه طرح القلب في الربوبية والبدن في العبودية ، فالمتوكل لا يريد إلا ما يريده الله تعالى ، ومن هنا قيل : إن الكامل لا يحب إظهار الكرامة ، وفي المسألة تفصيل عندهم
وهنا يحكى القرآن أن الرسل - عليهم السلام - قد قابلوا هذه السفه من أقوالهم بالمنطق الحكيم ، وبالأسلوب المهذب فيقول : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ . . } .
أى : قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإِرشاد والتنبيه : نحن نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم ، ولكن هذه المماثلة بيننا وبينكم فى البشرية ، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده ، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التى لا تحصى .
فأنت ترى أن الرسل - عليهم السلام - قد سلموا للمكذبين دعواهم المماثلة فى البشرية ، فى أول الأمر ، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم ، بأن أفهومهم بطريق الاستدراك ، أن المشاركة فى الجنس لا تمنع التفاضل ، فالبشر كلهم عباد الله ، ولكنه - سبحانه - يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم .
فالمقصود بالاستدارك دفع ما توهمه المكذبون ، من كون المماثلة فى البشرية تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة .
قال الآلوسى : قوله - تعالى - : { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ } مجاراة لأول مقالتهم { إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } كما تقولون ، وهذا كالقول بالموجب ، لأن فيه إطماعا فى الموافقة ، ثم كروا على قولهم بالإِبطال فقالوا : { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } .
أى : إنما ختصنا الله - تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان ، والبشرية غير ما نعة لمشيئته - جل وعلا - . وفيه دليل على أن الرسالة عطائية ، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئته - تعالى - ولا يخفى ما فى العدول عن { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } ، إلى ما فى النظم الجليل منهم - عليهم السلام - .
وقوله - سبحانه - : { وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } حكاية لرد الرسل على قول المكذبين { فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } .
أى : وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم - أيضاً - : وما صح وما استقام لنا نحل الرسل أن نأتيكم - أيها الضالون - بحجة من الحجج ، أو بخارق من الخوارق التى تقترحونها علينا ، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإِتيان بما اقترحتم ، فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه .
ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضى فى دعوتهم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } .
والتوكل على الله معناه : الاعتماد عليه ، وتفويض الأمور إليه ، مع مباشرة الأسباب التى أمر - سبحانه - بمباشرتها .
أى : وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فيتوكل المؤمنون ، الصادقون ، دون أن يعبأوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين .
فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده ، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا ، بدليل قولهم بعد ذلك - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.