ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنيفي تبعاً لخلاصة الخلق ، بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده سبحانه فيجب شكره ، بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به من المغيبات ، ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام ، وكان أكثر الخلق إلاّ الفذ النادر يقرون بالإله الحق ، ولكنهم يشركون به بعض خلقه ، أتبعه برهان التمانع على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق{[41346]} عليه الأنبياء والرسل كلهم ، تأييداً لأدلة النقل بقاطع العقل ، فقال{[41347]} منادياً لهما باسم الصحبة بالأداة التي تقال عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان الذي تخلص{[41348]} فيه المودة ، وتمحض فيه النصيحة ، وتصفي{[41349]} فيه القلوب ، ويتعمد الإخلاص رجاء الخلاص - : { ياصاحبي السجن } والصحبة : ملازمة اختصاص كأصحاب الشافعي مثلاً ، لملازمة الاختصاص بمذهبه ، وهي{[41350]} خلاف ملازمة الاتصال .
ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه ، قرع{[41351]} أسماعهما بالإنكار مع التقرير فقال : { أرباب } أي آلهة { متفرقون } متباينون بالذوات والحقائق تشاهدونهم محتاجين إلى المكان مع كونهم جماداً ، ولو كانوا أحياء لأمكن تمانعهم ، فأدى إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية { خير } أي أعظم في صفة المدح وأولى بالطاعة { أم الله } أي الملك الأعلى { الواحد } بالذات ، فهو لا يحتاج إلى شيء أصلاً { القهار * } لكل شيء ، لا يزال قهره يتكرر أبداً ، فهذا{[41352]} برهان لا خطأ به كما ظن ، وأبرزه صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام استجلاباً للسامع برد العلم إليه ، وسماها أرباباً لمثل ذلك بناء على زعمهم ، وكذا المشاركة في أفعل التفضيل ، لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف ، لكونه ألين في القول ، فيكون أدعى إلى القبول .
قوله تعالى : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ 39 مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
نادى يوسف الفتيين بصاحبي السجن ، يعني يا من تسكنان السجن ، ثم دعاهما إلى عقيدة التوحيد ومجانبة الإشراك بالله قبل أن بين لهما تأويل ما رأياه في منامهما . ويوسف عليه السلام نبي كريم ومرسل من عند الله يدعو من يجده من الناس إلى التوحيد وعبادة الواحد الديان دون غيره من الكائنات . ويستفاد من دعوته لهما : أنهما كانا من المشركين الذين يعبدون الأصنام فخاطبهم في استفهام تعجيبي لكي ينتهوا للحقيقة ويفيئوا إلى الصواب مجانبين الشرك ؛ فغنه بطل وضلال { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أعبادة أرباب متفرقين شتى وآلهة كثيرة مصطنعة لا تضر ولا تنفع ، خير أن عبادة إله قادر قاهر واحد لا شريك له ؟ ! ونظير ذلك قوله سبحانه : { ءالله خير أم يشركون } .
والمشركون السفهاء يعبدون آلهة مختلفة شتى . آلهة متفاوتة الأحجام والأشكال والمسميات مما يدل على أنها جميعها مفتراة ومصطنعة ، وأنها من مبتدعات العقول الضالة والأهواء السقيمة . فما ينبغي بعد هذا لذي بصيرة أو مسكة من عقل أن يدين لمثل هذه الآلهة المكذوبة المختلقة بل الله الواحد القاهر لكل شيء لهو حقيق أن يعبده الناس فيدينوا له بكامل لطاعة وتمام الإحساس بالعبودية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.