نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

{[41181]} ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال{[41182]} : { فلما سمعت } أي امرأة العزيز { بمكرهن } وكأنهن أردن{[41183]} بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه ، فلذلك سماه مكراً { أرسلت إليهن } لتريهن{[41184]} ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتُهن{[41185]} { وأعتدت } أي هيأت وأحضرت { لهن متكاً } أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة ، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته{[41186]} لهن { وأتت كل واحدة } على العموم { منهن سكيناً } ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس ؛ قال أبو حيان : فقيل : كان لحماً ، وكانوا لا ينهشون{[41187]} اللحم ، إنما كانوا{[41188]} يأكلونه{[41189]} حزاً بالسكاكين . وقال الرماني : ليقطعن فاكهة قدمت إليهن - انتهى . هذا الظاهر من علة إتيانهن{[41190]} وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعاً مما يتأثر عن ذلك { وقالت } ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام { اخرج عليهن } فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها{[41191]} في كل ما لا معصية فيه ، {[41192]} وبادر الخروج عليهن{[41193]} { فلما رأينه } أي النسوة { أكبرنه } أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جداً إعظاماً{[41194]} كربّهن { وقطعن } أي جرحن جراحات{[41195]} كثيرة { أيديهن } وعاد لومهن عذراً ، والتضعيف يدل على التكثير ، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها{[41196]} بطبعها ، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر وهكذا { وقلن حاش } أي تنزيهاً عظيماً جداً { لله } أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي{[41197]} خلق بها مثل هذا .

ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه ، بينه بقولهن : { ما هذا بشراً } لأنه فاق البشر في الحسن جداً ، وأعرض عن الشهوة من غير علة ، نراها مانعة له لأنه{[41198]} في غاية القوة والفحولية ، فكأنه{[41199]} قيل : فما هو ؟ فقلن : { إن } أي ما { هذا } أي في هذا{[41200]} الحسن والجمال ، وأعدن{[41201]} الإشارة دفعاً لإمكان الغلط { إلا ملك كريم * } وذلك لما ركز{[41202]} في الطباع من{[41203]} نسبة كل معنى فائق إلى{[41204]} الملائكة من الحسن والعفة وغيرهما وإن كانوا غير{[41205]} مرئيين ، كما{[41206]} ركز فيها نسبة ضد ذلك إلى الجن والشياطين ،


[41181]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41182]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41183]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أردنا.
[41184]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لترينهن.
[41185]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: قالت.
[41186]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أعدت.
[41187]:من م ومد والبحر 5/302، وفي الأصل و ظ: لا يلتمسون- كذا.
[41188]:زيد من م والبحر.
[41189]:في ظ: يأكلون.
[41190]:في م: إيتائهن.
[41191]:زيد من م.
[41192]:سقط ما بين الرقمين من م
[41193]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41194]:في ظ: عظما ما.
[41195]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: جراحا.
[41196]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يديها.
[41197]:في ظ: الذي.
[41198]:زيد من ظ و م ومد.
[41199]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: وكأنه.
[41200]:في ظ: ذلك.
[41201]:في م : اعتدن.
[41202]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: ذكر.
[41203]:سقط من ظ.
[41204]:زيد من مد.
[41205]:زيد من ظ و م ومد.
[41206]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لما.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ} (31)

قوله : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } لما سمعت زليخا بحديث النساء عنها ما أشنعه في حقها بين الناس في مصر وقولهن ما يشينها وهو أن امرأة العزيز عشقت عبدها وقد راودته عن نفسه { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن في أمرها بشأن يوسف لتضيفهن وتصنع لهن الطعام في بيتها { وأعتدت لهن متكأ } من العتاد وهو العدة ؛ أي أعدت وهيأت لهن مجلسا يتناولن فيه الطعام والشراب ويتكئن فيه على الفرش والنمارق { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا } وذلك ليقطعن به الطعام { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ } أمرته امرأة العزيز أن يخرج على النساء اللاتي في ضيافتها ليرين حسنه وجمال وجهه وهن في هذه الحال من تقطيع الطعام بالسكاكين . وهذه مكيدة من امرأة العزيز ، لتمكن هؤلاء النساء من رؤية يوسف فيبهرهن حسنه وجماله فيذهلن عنه ذهولا يحملهن على تقطيع أيديهن بدلا من تقطيع الطعام . { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي أعظمنه وأجللنه وبهتن لحسنه وجماله . وجعلن من فرط إعجابهن به يقطعن أصابع أنفسهن بالسكاكين بعد أن غلبهن الذهول والدهش . ولا نرغب في التهويل والمبالغة في وصف دهشهن وانبهارهن بيوسف أكثر مما ذكرناه . أما الزعم بأنهن جاءهن المحيض من شدة ارتياعهن لعظم جماله ، وأن بعضا منهم قد أتت عليهن صعقة الموت لروعة ما رأين من حسن يوسف ، فما نحسب مثل هذا القول إلا إغراقا في المغالاة المستفادة من تهويش الإسرائيليات .

قوله : { وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } { حاش } ، أصلها حاشا ، حذفت الألف للتخفيف ؛ أي معاذ الله ؛ فهي كلمة تفيد التنزيه في باب الاستثناء ، نقول : أساء القوم حاشا زيد . وهي حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة{[2233]} ؛ أي تنزيها لله من صفات العجز ، وتعجبا من قدرته على خلق مثله { ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم } نفت النسوة عن يوسف –لما رأينه- كونه بشرا من البشر لغرابة جماله وعظيم حسنه وبهائه ، وقلن : ما هكذا يكون البشر ، وما هو إلا ملك من الملائكة الأطهار الكرام . وذلك إقرار كامل منهن أن يوسف مبرأ من مظنة الاتهام بالفاحشة فمثله في البراءة والتنزه وجمال الخلق والخلق مثل الملائكة الأبرار الأطهار الذين لا يقربون الفحش أو الدنس .


[2233]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 39 والكشاف جـ 2 ص 317.