نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (31)

ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع ، استثنى فقال : { إلا إبليس } قيل : هو من قوم من الملائكة ، وقيل : بل - لكونه كان واحداً بينهم منضافاً إليهم عاملاً بأعمالهم - كان معموراً فيهم ، فكان كأنه منهم ، فصح استثناءه لذلك ، فكأنه قيل : ما فعل . فقيل استعظاماً لمخالفته : { أبى أن يكون } أي لشكاسة في جبلته { من الساجدين * } أو إنه لم يقل : فأبى - بالعطف ، لأن الاستثناء منقطع ، فإن إبليس من نار والملائكة من نور ، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون بخلافه ، فكأنه قيل : فما فعل به الملك ؟ فقيل : لم يعاجله بالعقوبة ، بل أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك ،

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (31)

قوله : { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } إبليس مشتق من الإبلاس وهو اليأس{[2453]} ، المراد : أن إبليس أيس من رحمة الله ، فلا أمل ولا رجاء له في خير أو رحمة البتة .

أما الاستثناء فقد قيل : إنه متصل ، والمعنى : أن إبليس كان من الملائكة فلذلك استثناه . وقيل كان إبليس من جملة المأمورين بالسجود لآدم فلذلك استثناه من جملتهم . وقيل : الاستثناء هنا منقطع ، ومعناه لكن . وبذلك ليس إبليس من الملائكة بل كان من الجن وقد خلقه الله من نار ، وهو دائم الفسق والعصيان لله . أما الملائكة فهم خيار أبرار خلقهم الله من نور وهم لا يعصون الله ما أمرهم .

قوله : ( أبى أن يكون مع الساجدين ) الإباء معناه الامتناع . والسجود ، معناه وضعه الجبهة على الأرض . وأصله الانخفاض والانحناء وطأطأة الرأس{[2454]} . والمعنى المراد : أن إبليس امتنع من السجود لآدم كما أمره ربه غرورا واستكبارا أن يسجد مع الملائكة . فعصى إبليس بذلك عصيانه الشنيع ، وفسق عن أمر ربه ؛ فكان أشد الخليقة عتوا وتمردا واستكبارا{[2455]} .


[2453]:- المصباح المنير جـ1 ص 68 ومحتار الصحاح ص 63.
[2454]:- القاموس المحيط ص 366 ومحتار الصحاح ص 286.
[2455]:- التبيان جـ6 ص 332 وروح المعاني جـ7 ص 45، 46.