التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (141)

{ قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ { 136 } فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [ 1 ] فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { 137 } صِبْغَةَ اللّهِ [ 2 ] وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ { 138 } قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ { 139 } أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ { 140 } تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ { 141 } }

تعليق على الحلقة السابعة عشرة

من السلسلة الواردة في السورة في صدد اليهود ومواقفهم وأقوالهم

في الآيات الخمس الأولى وجه الخطاب بصيغة الضمير المخاطب المفرد والجمع . وروح الآيات وفحواها أن الخطاب موجه فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حسب اقتضاء حكمة التنزيل والخطاب .

وقد تضمنت :

1- أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يعلنوا عقيدتهم ، فيقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى وسائر النبيين دون تفريق بين أحد منهم أو إنكار منهم ، وإننا مخلصون مسلمون لله وحده كل الإخلاص والإسلام .

2- وتعقيباً على ذلك فإذا آمن الذين يوجه إليهم ذلك القول والإعلان بمثل ما آمن به النبي والمؤمنون فيكونون قد اهتدوا وساروا على طريق الحق . وصاروا والمؤمنون سواء ، وإن أعرضوا وتولوا فيكون ذلك برهاناً على أنهم مشاقون متعنتون وفي شقاق وخلاف في أمر العقيدة الصحيحة والملة المستقيمة .

3- والتفاتاً خطابياً للنبي صلى الله عليه وسلم بسبيل تطمينه في حال إعراضهم وتوليهم بأن موقفهم لن يضره شيئا ، وبأن الله سوف يكفيه شرهم وكيدهم .

4- وهتافاً بلسان حال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن هذه العقيدة التي أمروا بإعلانها والدعوة إليها هي دين الله الحق ، ولا يمكن أن يكون أي دين أو نحلة أو طريقة أحسن منها لأنها إعلان الإخلاص والإسلام لله وحده منزها عن كل شائبة وشك .

5- وأمراً للنبي بسؤال الذين يحاجونه ويحاجون المؤمنين أتباعه ويعرضون عن دعوتهم سؤالاً تنديدياً عن معنى هذه المحاججة في حين أن كل ما يفعلونه هو إعلانهم بأن الله ربه وربهم جميعاً .

6- وأمراً ثانيا للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان كون كل فريق مسؤولا عن عمله أمام الله وبإعلان كون المؤمنين مخلصين في دينهم له كل الإخلاص .

7- وأمراً آخر له بسؤال المحاجين سؤالاً تنديدياً آخر عما إذا كانوا يريدون أن يزعموا أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى حينما يقولون : إن على الذين يريدون الهدى أن يكونوا هوداً أو نصارى فقط .

8- وأمراً ثالثاً له بسؤالهم سؤالاً فيه تسفيه لمغالطتهم –الماثلة في مثل هذا الزعم من حيث إن هؤلاء كانوا قبل أن تنشأ ملة اسمها اليهودية وأخرى اسمها النصرانية- عما إذا كانوا هم أعلم أم الله في تقرير الهدى وماهيته والذين يصح أن يوصفوا به .

9- وأمراً رابعاً له بأن يبكتهم على هذه المغالطات بإعلان أنه ليس من أحد أشدّ ظلما ممن يكتمون الشهادة بما عندهم من علم الله هو ما يفعلونه في مغالطاتهم وبأن ينذرهم بأن الله غير غافل عما يفعلون .

أما الآية السادسة الأخيرة فهي مماثلة للآية التي جاءت في الآيات السابقة حيث قررت ثانية أن أولئك الأنبياء قد مضوا إلى سبيلهم ولهم ما كسبوا وعلى القائلين السامعين ما كسبوا ولا يسأل أحد عن أحد ولا يغني أحد عن أحد .

ولقد روى المفسرون {[219]} أن بعض هذه الآيات نزل في مناسبة إنكار اليهود لرسالة عيسى عليه السلام ، وأن بعضهما نزل في مناصرة قول النصارى إن عيسى ليس نبيا وإنما هو الله وابن الله . والروايات لم ترد في الصحاح والآيات كما يبدو وحدة ومتصلة بالسياق السابق اتصالاً وثيقاً . وقد احتوت تعليماً ربانياً للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بما يجب أن يجيبوا به على ما حكته الآية السابقة مباشرة عن لسان اليهود والنصارى . ويجوز أن تكون نزلت مع الآيات السابقة ويجوز أن تكون نزلت عقبها ، والله تعالى أعلم .

وأسلوب الآيات قوي رائع سواء في بيان عقيدة الإسلام في كتب الله وأنبيائه والتي هي من أسس الرسالة المحمدية أم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بإعلان ذلك من شأنه أن ينفذ إلى الأعماق ويثير الإعظام والإجلال والخشوع إذا ما تجرد السامع من الملل الأخرى من الأنانية والهوى والعناد وقصد الشقاق وأراد الحق والهدى ورغب فيهما رغبة صادقة . وتدعيم هذه العقيدة بالإيمان بجميع الأنبياء وما جاءهم من الله قوي رائع أيضاً من شأنه أن يجعل الدعوة الإسلامية ملتقى جميع الأديان السماوية التي يحسن بأهلها الانضواء إليها ونبذ ما هم عليه من شقاق وأهواء وخلاف ومشاكل وتعقيد ؛ لأنهم يجدون فيها جوهر دينهم مع الاعتراف والاحترام لكتبهم وأنبيائهم كما يجدون فيها تصحيحاً لما تورطوا فيه من أخطاء وأهواء وغلوّ وإفراط وتفريط وانحراف وتحريف في الأصول والفروع معاً . والمتبادر أن الآيات قد استهدفت كل هذه الأهداف السامية .

ولقد تكرر تقرير عقيدة المسلمين بما أنزل إليهم وما أنزل من قبلهم ويكون إلههم وربهم هو إله الكتابيين وربهم أيضا ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بإعلان ذلك في السور المكية وفي أوائل هذه السورة . حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت تكرار ذلك في معرض محاججة اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الانضواء للدعوة المحمدية . ولا سيما أن ذلك قد تكرر في العهد المدني كما كان شأن ذلك في العهد المكي وخطورة ذلك واضحة في معرض الدعوة .

ولقد شرحنا ما ينبغي أن تكون عليه عقيدة المسلمين بالنسبة للكتب السماوية المتداولة اليوم في سياق تفسير سورة الشورى فلا حاجة للإعادة .

والآيات وإن كانت كما يبدو تحكي أقوال كل من اليهود والنصارى بكونهم وحدهم على الهدى وتحاججهم فيها فإننا نقول ما قلناه قبل : إن المقصود في الآيات في الدرجة الأولى هم اليهود ، وإن جمع النصارى معهم هو للتعبير عن لسان حالهم . ولعل في السؤال الوارد في الآية [ 139 ] قرينة بل دليلاً حيث ذكرت آباء اليهود الأولين فقط وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وهذا بالإضافة إلى قرينة انصباب الكلام في السلسلة الطويلة على اليهود في الدرجة الأولى .

ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون في صدد جملة : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ } في الآية [ 140 ] حيث روي أنها في التنديد باليهود والنصارى لأنهم كانوا يقولون : إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً ونصارى مع علمهم أن موسى وعيسى اللذين نسبت إليهما اليهودية والنصرانية جاءا بعدهم . وحيث روي أيضا أنها في التنديد بهم لأنهم كتموا ما يجدون في التوراة والإنجيل من صفات محمد وكلا القولين وارد . وإن كنا نرجح الثاني لأنه موضوع السلسلة الذي هو الدعوة إلى الإيمان بمحمد والتنديد بمن لم يؤمن به ، ووقف من رسالته موقف الجحود والمناوأة .

ولقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل أن { وَالأسْبَاطِ } هم أسباط بني إسرائيل إسرائيل . وهذا التعبير يطلق على ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر الذين ذكرنا أسماءهم في سياق التعريف بالكلمة في سورة الأعراف . والمتبادر أن المقصود بالكلمة هنا هو أبناء يعقوب الاثني عشر بذواتهم وليس ذرياتهم بصورة عامة خلافاً لما تفيده رواية الطبري . والنص القرآني يفيد أنهم من الأنبياء ومن واجب المسلم أن يؤمن بذلك . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الأولى حديثاً أخرجه ابن أبي حاتم عن معقل بن يسار قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن » وهذا متسق مع تقريرات القرآن التي أوجبت الإيمان بالكتب المنزلة من الله على أنبيائه السابقين والعمل بالقرآن . والنقطة الأولى من مقتضيات الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها ، وهناك آيات مماثلة أخرى ومنها آيات في سور مكية سبق تفسيرها . والنقطة الثانية مستفادة من آيات سورة المائدة [ 15 و16 و48 و49 ] على ما سوف يأتي شرحه في مناسباتها .

ولقد روى البخاري في سياق الآية الأولى حديثاً عن أبي هريرة جاء فيه : «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا . . . إلى آخر الآية » [ التاج 4/43 ] .

والمتبادر الذي نرجو أن يكون فيه الصواب إن شاء الله أن المقصود من مدى الحديث هو ما يخبر برأي أهل الكتاب مما ليس فيه مناقضة صريحة للقرآن والثابت من الحديث ولا يعلم المسلم حقيقته . أما ما كان فيه مناقضة صريحة للقرآن والثابت من الحديث وكذلك ما فيه توافق تام معهما فلا يدخل في النهي ، فواجب المسلم بالنسبة للأول تكذيبه وبالنسبة للثاني تصديقه . والحديث وإن ذكر اليهود والتوراة فهو شامل لما يخبر به النصارى ، وينسحب ما قلناه على ذلك أيضاً والله تعالى أعلم .


[219]:انظر تفسير الآيات في الطبري والطبرسي وابن كثير مثلاً