الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ} (72)

قوله : { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } : لا بُدَّ مِنْ محذوفٍ أي : يسمعون دعاءَكم ، أو يَسْمَعُوْنكم تَدْعُون . فعلى التقديرِ الأولِ : هي متعديةٌ لواحدٍ اتفاقاً ، وعلى الثاني : هي متعديةٌ لاثنين ، قامَتِ الجملةُ المقدرَّةُ مَقام الثاني . وهو قولُ الفارِسيِّ . وعند غيرِه الجملةُ المقدَّرَةُ حالٌ . وقد تقدَّمَ تحقيقُ القولَيْن . وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر بضمِّ الياءِ وكسرِ الميمِ ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ . أي : يُسْمِعُونَكم الجوابَ .

قوله : { إِذْ تَدْعُونَ } منصوبٌ بما قبلَه ، فما قبله وما بعده ماضيان معنىً ، وإنْ كانا مستقبلَيْنِ لفظاً ، لعملِ الأولِ في " إذ " ، ولعَمَلِ " إذ " في الثاني . وقال بعضُهم : " إذ " هنا بمعنى إذا . وقال الزمخشري : " إنه على حكاية الحالِ الماضيةِ ، ومعناه : اسْتَحْضِروا الأحوالَ [ الماضيةَ ] التي كنتم تدَّعُونها فيها ، [ وقولوا ] : هل سَمِعُكم أو أَسْمَعُوا ، وهو أبلغ في التَّبْكِيْتِ " . و قد تقدَّم أنه قُرِىءَ بإدغامِ ذال " إذا " وإظهارِها في التاء . وقال ابنُ عطيةَ : ويجوز فيه قياسُ " مُدَّكِر " ونحوِه . ولم يَقْرَأْ به أحدٌ . والقياسُ أن يكون اللفظُ به " إدَّدْعون " والذي مَنَعَ من هذا اللفظِ اتصالُ الدالِ الأصلية في الفعل ، فكَثُرَتْ المتماثلاتُ " قلت : يَعْني فيكون اللفظُ بدالٍ مشددةٍ مهملةٍ ثم بدالٍ ساكنةٍ مهملةٍ أيضاً " .

قال الشيخ : " وهذا لا يَجُوز ؛ لأنَّ هذا الإِبدالَ إنما هو في تاءِ الافتعالِ بعد الدالِ والذالِ والزايِ نحو : ادَّهَنَ وادَّكَرَ وازْدَجَر ، وبعد جيمٍ شذوذاً نحو : " اجْدمَعُوا " في " اجتمعوا " ، أو في تاء الضميرِ بعد الدالِ والزايِ نحو " فُزْدُ " في " فُزْتُ " و " جَلَدَّ " في " جَلَدْتُ " أو تاء " تَوْلَج " قالوا فيها : " دَوْلج " ، وتاء المضارعة ليس شيئاً مِمَّا ذَكر . وقوله : " والذي مَنَعَ إلى آخرِه " يَقْتضي جوازَه لو لم يُوْجَدْ ما ذُكِر ، فعلى مقتضى قولِه يجوز أَنْ تقولَ في إذْ تَخْرج : ادَّخْرُج ، ولا يقول ذلك أحدٌ ، بل يقولون : اتَّخْرُج ، فيُدغمون الذالَ في التاءِ " .