{ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } الآية : جواب { لو } محذوف تقديره : لو أن قرآنا على هذه الصفة من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لم يؤمنوا به ، فالمعنى كقوله : { لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية } ، وقيل : تقديره ولو أن قرآنا على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا } [ الحشر : 21 ] ، وقيل : هو متعلق بما قبله والمعنى : وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال .
{ أفلم ييأس } معناه أفلم يعلم وهي لغة هوازن .
{ ولا يزال الذين كفروا } يعني كفار قريش .
{ قارعة } يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، أو غزوات المسلمين إليهم .
{ أو تحل } الفاعل ضمير القارعة . والمعنى إما أن تصيبهم ، وإما أن تقرب منهم ، وقيل : التاء للخطاب ، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أظهر .
قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض فجعلت لنا قطعا غراسا ، أو أحييت لنا آباءنا وأجدادنا ، فنزلت هذه الآية لتبين أنهم لا يؤمنون ولا تحقق ما طلبوه جميعا . وفي هذا المقام فإن الله يثني على قرآنه الحكيم مبينا لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو كان ثمة كتاب تسير به الجبال عن أماكنها ، أو تقطع به الأرض فتصبح قطعا قطعا ، أو تكلم به الموتى فتسمع وتجيب ؛ لكان هذا القرآن . لكونه معجزا ؛ فهو في غاية التذكير والتنذير ، وغاية في صدق الحديث والبيان . وهذا هو جواب لو في الآية{[2352]} أي لو أن كتابا يتحقق به ما سألتهم لكان هذا القرآن ؛ وذلك لعظيم معناه وعجيب نظمه مبناه ؛ فهو المعجزة الخالدة الباقية التي لا تفنى بفناء الناس ، ولا تمضي بمضي الزمان ، كما فنيت معجزات النبيين السابقين ؛ إذ ذهبت بذهاب النبيين والأمم . لكن معجزة القرآن باقية قائمة مشهودة إلى قيام الساعة .
وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا الله إلي ؛ فأرجو أن أكون إكثرهم تابعا يوم القيامة ) .
قوله : { بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا } أي لو شاء الله أن يؤمن الناس لآمنوا ، وإذا م يشأ لهم الإيمان لم ينفعهم ما اقترحوه أو سألوه كتسيير الجبال ، أو تقطيع الأرض ، أو إحياء الموتى ؛ فالله قادر على كل شيء ، وهو قادر أن يأتيهم بما طلبوه من الآيات ؛ لكنه يعلم أن ذلك لا ينفعهم .
قوله : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } ييأس بمعنى يعلم أو يتبين . وهو قول ابن عباس وآخرين ؛ أي أفلم يعلم المؤمنون ويتبينوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا ما سألوه من الآيات .
قوله : { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } القارعة : الشديدة من شدائد الدهر وعي الداهية . والجمع قوارع{[2353]} ؛ أي لا يزال هؤلاء الكافرون من قومك يا محمد تصيبهم بسبب ما فعلوه من الكفر والتكذيب والجحود والظلم { تصيبهم قارعة } أي ما يقرعهم من البلاء والنكبات كالقحط والأسقام والهزائم والقتل في الحروب وغير ذلك من ألون البلايا والنقم{[2354]} .
قوله : { أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ } التاء في { تحل } للتأنيث ، والتقدير : أو تحل قارعة بالقرب منهم ؛ أي قريبا من ساحتهم وقراهم . وقيل : التاء لخطاب . فيكون التقدير : أو تحل أنت يا محمد قريبا من دراهم { حتى يأتي وعد الله } وعد الله معناه الغلبة والظهور عليهم . وقيل : فنح مكة . وقيل : يوم القيامة { إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } اللم منجز رسوله والمؤمنين ما وعدهم من الظهور على الكافرين ؛ لأن الله جلت قدرته لا يخلف وعده ؛ فهو أصدق الصادقين ، وأوفى الأوفياء{[2355]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.