تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} في كتابه، {وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا}: يعرضون عنك يا محمد إعراضا إلى غيرك، مخافة أن تحيف عليهم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذي يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت، {وإذَا قِيلَ لهم تَعَالوْا إلى ما أَنْزَلَ الله}: وإذا قيل لهم: هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، {وإلى الرّسُولِ} ليحكم بيننا، {رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنْكَ}: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
الصدود هو: الإعراض في اللغة. والصد: الصرف.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
(يصدون عنك صدودا)؛ قيل في سبب صد المنافقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) قولان: أحدهما: لعلهم بأنه لا يأخذ الرشا على الحكم وأنه يحكم بمر الحق. والثاني: لعداوتهم للدين.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و {رأيت} هي رؤية عين لمن صد من المنافقين مجاهرة وتصريحاً، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكراً وتخابثاً ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه والقرائن الصادرة عنه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل لهم} أي من أي قائل كان {تعالوا} أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله} أي الذي عنده كل شيء {وإلى الرسول} أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة، رأيتهم -هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: {رأيت المنافقين يصدون} أي يعرضون {عنك} وأكد ذلك بقوله: {صدوداً} أي هو في أعلى طبقات الصدود.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
صرح في هذه الآية بما دلت عليه التي قبلها من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم كتاب الله وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء وناهيك بمن فعل ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحكمه لا يكون إلا حقا ما بينت الدعوى على حقيقتها لأن الحكم بحسب الظاهر، وأما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ بجهل القاضي بالحكم أو بتطبيقه على الدعوى. يقول تعالى وإذا قيل لأولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا وهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكمه فيما بيننا وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله رأيت المنافقين أي رأيتهم وهم المنافقون جاء بالظاهر بدل الضمير ليبين حالهم وحال أمثالهم بالنص ويبني عليه ما بعده وهو أثره يصدون عنك صدودا أي يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضا متعمدا منهم. وهو هنا من "صد "اللازم. والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به فإنه يكون منافقا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان وما يدعيه من الإسلام، وهي حجة الله البالغة على المقلدين لبعض الناس فيما استبان حكمه في الكتاب والسنة ولا سيما إذا دعوا إليه ووعظوا به. قال الأستاذ الإمام: إن الحامل لهم على هذا الصدود هو اتباع شهواتهم وإلفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضا شديدا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله.. ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به: (وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري.. وإلا ما كان نفاقا... إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دعي إلى هذا الذي آمن به، ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبيه الكاملة هي البديهية الفطرية. فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية. ويكشف عن النفاق. وينبى ء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان! وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله -سبحانه- أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله. ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله. بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودا!...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وفي الآية الكريمة إشارتان بيانيتان:
إحداهما: التعبير بقوله تعالى: {إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} فإن هذا يبين لهم أنهم يتركون الحكم المنزل من السماء من عند الله إلى حكم الأرض وأهواء أهلها، ويبين لهم أن الرجوع في الحكم إلى الرسول هو رجوع إلى حكم الله الذي ينطق به رسوله الأمين، وأن امتناعهم عن ذلك إنكار للرسالات الإلهية مع أنهم من أهل الكتاب، الذين يعتزون على العرب بأنهم يؤمنون بشرائع السماء وغيرهم أميون!! ثم يبين ذلك أن الخضوع لحكم الرسول خضوع لحكم الله تعالى وما أنزله الله، فالمعترض على حكم الرسول معترض على الله سبحانه وتعالى.
الثانية: في قوله تعالى: {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} فإنه يشير إلى أن الذين يعرضون عن حكم الله تعالى وينفرون منه هم المنافقون الذين يسرون ما لا يظهرون ويخفون ما لا يبدون، فالإعراض عن حكم الله تعالى سمة من سمات النفاق أو بالأحرى أوضحها وأبينها. والنص يشير مع هذا إلى أن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فريقان: فريق ضعيف الإيمان، وفريق منافق، وأن المنافقين من بينهم شديدو النفرة والإعراض. اللهم إلا أن يقال إن ذلك إظهار في موضع الإضمار، أي أن الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وبالرسول، الذين يرتضون حكم الطاغوت هم منافقون، وهو بسبب نفاقهم يعرضون عن حكم الله إعراضا شديدا، فهم طائفة واحدة! وأظهر وصفهم ليعلم أنه علة إعراضهم، وهذا ما نرتضيه، ويتفق مع قوله تعالى من قبل {يزعمون أنهم آمنوا}...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في أعقاب النهي الشديد عن التحاكم إِلى الطاغوت وحكام الجور الذي مرّ في الآية السابقة جاءت هذه الآيات الثلاث تدرس نتائج أمثال هذه الأحكام والأقضية، وما يتمسك به المنافقون لتبرير تحاكمهم إِلى الطّواغيت وحكام الجور والباطل
ففي الآية الأُولى يقول سبحانه: (وإذا قيل لهم تعالوا إِلى ما أنزل الله وإلى الرّسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً). وفي الحقيقة يقول القرآن في هذه الآية: إِنّ التحاكم إِلى الطاغوت ليس خطأً عابراً يمكن أن يعالج ببعض التذكير، بل إِنّ الإِصرار على هذا العمل يكشف عن ضعف إيمانهم وروح النفاق فيهم، وإلاّ لوجب أن ينتبهوا ويتوبوا إِلى رشدهم على دعوة رسول الإِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ويعترفوا بخطئهم: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً).
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضللا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) .
سبب نزول هذه الآية أن رجلا من الأنصار وآخر من اليهود قد تخاصما فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد ، والآخر يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف وهو زعيم اليهود . وقيل كان بين أحد المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى أن يحتكما إلى النبي ( ص ) ؛ لأنه يعلم أنه لا يقبل الرشوة ، ودعا المنافق اليهودي لكي يحتكما إلى كعب بن الأشرف زعيم اليهود في المدينة ؛ لأنه يعلم أنه يقبل الرشوة فأبى اليهودي أن يخاصمه لغير رسول الله ( ص ) فلما رأى المنافق ذلك فأتى معه إلى النبي والاحتكام إليه فقضى النبي ( ص ) لليهودي فلما خرجا كلاهما من عند النبي قال المنافق : لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ليقضي بيننا فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله ( ص ) ثم إلى أبي بكر فلم يرض ( يقصد المنافق ) فقال عمر للمنافق : أكذاك هو ؟ قال : نعم فقال عمر : رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل فأخذ السيف ثم ضرب به المنافق فقتله ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله وهرب اليهودي . فنزلت الآية فقال الرسول ( ص ) لعمر : " أنت الفاروق " ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق{[780]} .
ومن المناسب أن يتسع مفهوم هذه الآية ليشمل كل من يزعم أنه يؤمن بالله وما أنزل على النبيين من قبله ثم يحتكم إلى غير ما أنزل الله من شريعة وتصوّر . وذلك هو الفصام المصطنع الفادح الذي يفصم عرى الدين عروة عروة . فصام يسوّل للخاطئين أن يقتصروا من الدين على بعض أجزائه ليذروا ما فيه من جوانب أساسية أخرى لا قوام للدين بغيرها . مع أن من أجلى ما في الإسلام من خصائص أنه كل لا يتجزأ وأنه يؤخذ جملة واحدة متماسكة متكاملة كيلا يتخذه الخاطئون عضين . والقرآن يندد بشدة بأولئك المارقين الخاطئين الذين يتخذون القرآن عضين من الذين يؤمنون من القرآن ببعض أجزائه ومعانيه ثم يتخذون ما بقي ظهريا . قال سبحانه : ( كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ) . وعضين جمع ومفرده عضة وهي الفرقة أو القطعة من الشيء{[781]} .
وعلى ذلك فإن من أفدح الفوادح المنكرة أن يقتصر من يظن نفسه مؤمنا على بعض الجوانب المفروضة في هذا الدين ثم يظن بعدها أنه على الصواب . لكنه في تصور الإسلام بعيد عن الصواب بعدا يزحزحه عن نطاق الإسلام كله ، أو يقذفه في مهاوي الضلالة والشرك من حيث يعلم أو لا يعلم .
ومن هنا تستبين لنا خطورة الموقف الذي يقفه هذا الصنف من الناس الذين يربطهم بالإسلام بعض أجزائه أو قليل من المشاعر المتدينة لكنهم يحتكمون في أمور حياتهم ومعايشهم إلى البشر في شرائعهم وتصوراتهم . فثمة قدر يسير من العلاقة تربط هؤلاء بالإسلام بما يتجلى في أمور العبادة والأحوال الشخصية ، لكن القدر الكبير الأعظم من التصور والتشريع عندهم بعيد عن طبيعة الإسلام لاستمداده من مبادئ وضعية قد صاغتها أدمغة البشر وأهواؤهم . وفي هذا الشرود الجامح عن حقيقة الإسلام والركون إلى مبادئ الشرك والضلالة يندد الله بهؤلاء الذين ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) . والطاغوت هو الشيطان مبعث الإطغاء والغواية والمنفذ إلى الشر كله فهو إذن يعني الباطل وهو يتمثل في كل ما سوى الإسلام من شرائع ومبادئ وتصورات . وعلى ذلك فإن الاحتكام إلى غير الإسلام في أية مسألة أو قضية إنما يعني بالضرورة التحاكم إلى الطاغوت وهو الشيطان . ولا يكون على هذه الشاكلة إلا منافق أو مضلل جاهل وليس له في جهله عذر إلا أن يفيء إلى منهج الله أو دينه الحق ، وهو الإسلام . وبغير الاحتكام الكامل للإِسلام لا يعني غير العتو عن أمر الله أو التمرد على دينه وسلطانه .
أما المنافقون فإنهم كاذبون خادعون يخفون في أنفسهم الكفر ليندسوا في صف المسلمين ليشيعوا فيهم التخريب والفتن ، وإذا ما دعوا إلى الإسلام الحق المبرّأ أخذوا يصدون عنه صدودا . أي يعرضون عن دعوة الله ويحرّضون غيرهم على الجحود والضلال .