جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدّ جحودا لتوحيد الله وأشدّ نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جلّ ثناؤه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقلّ علما بحقوق الله. وقوله:"وأجْدَرُ أنْ لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللّهُ على رَسُولِهِ" يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله...
وقوله: "وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "يقول: والله عليم بمن يعلم حدود ما أنزل على رسوله، والمنافق من خلقه والكافر منهم، لا يخفى عليه منهم أحد، حكيم في تدبيره إياهم، وفي حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخداعهم أولياءه.
قوله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ}. أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعمّ الأكثر منهم، وهم الذين كانوا يواطنون المنافقين على الكفر والنِّفاق.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} ومعنى أجدر أي أقرب، مأخوذ من الجدار الذي يكون بين مسكني المتجاورين...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{الاعراب} أهل البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء ومعرفة الكتاب والسنّة، {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ} وأحقّ بجهل حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام... {والله عَلِيمٌ} يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر {حَكِيمٌ} فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم ومخطئهم ومصيبهم من عقابه وثوابه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وهذه الآية إنما نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة أن خوفهم هناك أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم..
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
إنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضًا أَنْ يَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَكُونَ مَعَهُ، حَتَّى تَتَضَاعَفَ النُّصْرَةُ، وَتَنْفَسِحَ الدَّوْحَةُ، وَتَحْتَمِيَ الْبَيْضَةُ، وَيَسْمَعُوا من رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دِينَهُمْ، وَيَتَعَلَّمُوا شَرِيعَتَهُمْ حَتَّى يُبَلِّغُوهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ)، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَبَقِيَ فِي إبِلِهِ وَمَاشِيَتِهِ، وَآثَرَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ، فَقَدْ غَابَ عَنْ هَذِهِ الْحُظُوظِ، وَخَابَ عَنْ سَهْمِ الشَّرَفِ، وَكَانَ مَنْ صَارَ مَعَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -إذْ صَارَ إلَيْهِ مُؤَهَّلًا لِحَمْلِ الشَّرِيعَةِ وَتَبْلِيغِهَا، مُتَشَرِّفًا بِمَا تَقَلَّدَ من عُهْدَتِهَا، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ فِي مَوْضِعِهِ خَائِبًا من هَذَا الْحَظِّ مُنْحَطًّا عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ. وَاَلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُشَاهِدُونَ آيَاتِهِ، وَيُطَالِعُونَ غُرَّتَهُ الْبَهِيَّةِ، كَانَ الشَّكُّ يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ، وَالنِّفَاقُ يَتَسَرَّبُ إلَى قُلُوبِهِمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ غَابَ عَنْهُ، فَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مَغْرَمًا لَا مَغْنَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْلَمُ لَهُ اعْتِقَادُهُ؛ فَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ وَسِيلَةً إلَى اللَّهِ، وَقُرْبَةً وَرَغْبَةً فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَرِضَاهُ عَنْهُ.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذه الآيات الثلاث في بيان حال الأعراب منافقيهم ومؤمنيهم، والظاهر أنها قد نزلت هي وما بعدها إلى آخر السورة بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى المدينة. فهي بدء سياق جديد في تفصيل أحوال المسلمين في ذلك العهد، بدئ بذكر الأعراب من المنافقين لمناسبة ما قبله وفصل عنه لأنه سياق جديد مع ما بعده.
{الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا ونِفَاقًا وأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ} بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين، لأنه مما يسأل عنه بعد ما تقدم في منافقي الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى. فالأعراب اسم جنس لبدو العرب، واحده أعرابي، والأنثى أعرابية والجمع أعاريب والعرب اسم جنس لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة بدوه وحضره واحده عربي. وقد وصف الأعراب بأمرين اقتضتهما طبيعة البداوة: الأول أن كفارهم ومنافقيهم أشد كفرا ونفاقا من أمثالهم من أهل الحضر ولاسيما الذين يقيمون في المدينة المنورة نفسها لأنهم أغلظ طباعا، وأقسى قلوبا، وأقل ذوقا وآدابا، -كدأب أمثالهم من بدو سائر الأمم بما يقضون جل أعمارهم في رعي الأنعام وحمايتها من ضواري الوحوش، ومن تعدي أمثالهم عليها وعلى نسائهم وذراريهم، فهم محرومون من وسائل العلوم الكسبية، والآداب الاجتماعية. الثاني: أنهم أجدر أي أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى في كتابه، وما آتاه من الحكمة التي بين بها تلك الحدود بسنن أقواله وأفعاله، وفهم ألفاظ القرآن اللغوية لا يكفي في علم حدوده العملية. كان أهل المدينة وما حولها من القرى يتلقون عنه صلى الله عليه وسلم كل ما كان ينزل من القرآن وقت نزوله ويشهدون سنته في العمل به، وكان يرسل العمال إلى البلاد المفتوحة يقيمون فيها يبلغون القرآن، ويحكمون بين الناس به وبالنسبة المبينة له، فيعرف أهلها الحدود التي حدها الله تعالى ونهاهم أن يعتدوها. ولم يكن هذا كله ميسورا لأهل البوادي، وهم مأمورون بالهجرة، لأجل العلم والنصرة، لأن الإسلام دين علم وحضارة.
فالأعراب أجدر بالجهل من الحضر بطبيعة البداوة لا بضعف أفهامهم، أو بلادة أذهانهم، أو ضيق نطاق بيانهم، فقد كانوا مضرب الأمثال في قوة الجنان، ولوذعية الأذهان، وذرابة اللسان، وسعة بيداء البيان، وعنهم أخذ رواة العربية أكثر مفردات العربية وأساليبها.
والجدارة بالشيء قد تكون طبيعة، وقد تكون بأسباب كسبية، من فنية وشرعية وأدبية، وقد تكون بأسباب سلبية اقتضتها حالة المعيشة والبيئة، قيل: إنها مشتقة من الجدار وهو الحائط الذي يكون حدا للبستان أو الدار، وقيل من جدر الشجرة، ويرادف الجدير بالشيء والأجدر، الحقيق والأحق، والخليق والأخلق، وقد يستعمل أفعل في كل منها للتفضيل مع التصريح بالمفضل عليه غالبا. كحديث "والثيب أحق بنفسها من وليها"، ومع تركه للعلم به أحيانا، ومنه قوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [آل عمران: 15].
{والله عليم حكيم} واسع العلم بأمور عباده وصفاتهم وأحوالهم الظاهرة من بداوة وحضارة وعلم وجهل، والباطنة من إيمان وكفر، وإخلاص ونفاق، تام الحكمة فيما يحكم به عليهم، وما يشرعه لهم، وما يجزيهم به، من نعيم مقيم، أو عذاب أليم.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في هذه الآيات الثّلاث ـ استمراراً للبحث المتقدم حول منافقي المدينة ـ حديث وبحث حول وضع منافقي الأعراب ـ وهم سكان البوادي ـ وعلاماتهم وأفكارهم، وكذلك قد تحدثت حول المؤمنين الخلص منهم.
وربّما كان السبب في تحذير المسلمين من هؤلاء، هو أن لا يتصور المسلمون أن المنافقين هم ـ فقط ـ هؤلاء المتواجدون في المدينة، بل إنّ المنافقين من الأعراب أشدّ وأقسى، وشواهد التأريخ الإِسلامي تدل على المسلمين قد تعرضوا عدّة مرات لهجوم منافقي البادية، ولعل الانتصارات المتلاحقة لجيش الإِسلام هي التي جعلت المسلمين في غفلة عن خطر هؤلاء.
على كل حال، فالآية الأُولى تقول: إنّ الأعراب، بحكم بعدهم عن التعليم والتربية، وعدم سماعهم الآيات الرّبانية وكلام النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أشدّ كفراً ونفاقاً من مشابهيهم في المدينة: (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً)
ولهذا البعد والجهل فمن الطبيعي، بل الأولى أن يجهلوا الحدود والأحكام الإِلهية التي نزلت على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله).
كلمة «الأعراب» من الكلمات التي تعطي معنى الجمع، ولا مفرد لها في لغة العرب، وعلى ما قاله أئمّة اللغة كمؤلف القاموس والصحاح وتاج العروس وآخرون فإن هذه الكلمة تطلق على سكان البادية فقط، ومختصة بهم، وإذا أرادوا إطلاقهم على شخص واحد فإنّهم يستعملون نفس هذه الكلمة ويلحقون بها ياء النسب، فيقولون: أعرابي. وعلى هذا فإنّ أعراب ليست جمع عرب كما يظن البعض.
أمّا «أجدر» فهي مأخوذة من الجدار، ومن ثمّ أُطلقت على كل شيء مرتفع ومناسب، ولهذا فإنّ (أجدر) تستعمل عادةً بمعنى الأنسب والأليق.
وتقول الآية أخيراً: (والله عليم حكيم) أي إِنّه تعالى عندما يحكم على الأعراب بمثل هذا الحكم، فلأنّه يناسب الوضع الخاص لهم، لأنّ محيطهم يتصف بمثل هذه الصفات.
لكن ومن أجل أن لا يُتوهم بأنّ كل الأعراب أو سكان البوادي يتصفون بهذه الصفات، فقد أشارت الآية التالية إِلى مجموعتين من الأعراب.
الأولى - لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا من الأعراب ، فقال كفرهم أشد . قال قتادة : لأنهم أبعد عن معرفة السنن . وقيل : لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل ؛ ولذلك قال الله تعالى في حقهم : " وأجدر " أي أخلق . " ألا يعلموا " " أن " في موضع نصب بحذف الباء ، تقول : أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل ؛ فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب " أن " وإن أتيت بالباء صلح ب " أن " وغيره ، تقول : أنت جدير أن تقوم ، وجدير بالقيام . ولو قلت : أنت جدير القيام كان خطأ . وإنما صلح مع " أن " لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف . " حدود ما أنزل الله " أي فرائض الشرع . وقيل : حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم .
الثانية - ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة :
أولها : لا حق لهم في الفيء والغنيمة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة ، وفيه : ( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ) .
وثانيها : إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة ؛ لما في ذلك من تحقق التهمة . وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعي كل تهمة ، والمسلمون كلهم عنده على العدالة . وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا ؛ وهو الصحيح لما بيناه في " البقرة{[8214]} " . وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة : أحدها : بالكفر والنفاق . والثاني : بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر . والثالث : بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ، فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول ، وذلك باطل . وقد مضى الكلام في هذا في " النساء{[8215]} " . وثالثها : أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة . وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي . وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم . وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي : الصلاة خلف الأعرابي جائزة . واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة .
قوله تعالى : " أشد " أصله أشدد ، وقد تقدم . " كفرا " نصب على البيان . " ونفاقا " عطف عليه . " وأجدر " عطف على أشد ، ومعناه أخلق ، يقال : فلان جدير بكذا أي خليق به ، وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون . وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء . فقوله : هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به . " ألا يعلموا " أي بألا يعلموا . والعرب : جيل من الناس ، والنسبة إليهم عربي بين العروبة ، وهم أهل الأمصار . والأعراب منهم سكان البادية خاصة . وجاء في الشعر الفصيح أعاريب . والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له ، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط ، وإنما العرب اسم جنس . والعرب العاربة هم الخلص منهم ، وأخذ من لفظه وأكد به ، كقولك : ليل لائل . وربما قالوا : العرب العرباء . وتعرب أي تشبه بالعرب . وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا . والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص ، وكذلك المتعربة ، والعربية هي هذه اللغة . ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية ، وهو أبو اليمن كلهم . والعُرب والعَرب واحد ، مثل العجم والعجم . والعريب تصغير العرب ؛ قال الشاعر :
ومَكْن الضِّبابِ طعام العريب*** ولا تشتهيه نفوس العجم{[8216]}
إنما صغرهم تعظيما ، كما قال : أنا جذيلها المُحَكَّك ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّب{[8217]} كله عن الجوهري . وحكى القشيري وجمع العربي العرب ، وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب . والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب . والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب . وسميت العرب عربا ؛ لأن ولد إسماعيل نشؤوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها . وأقامت قريش بعربة وهي مكة ، وانتشر سائر العرب في جزيرتها .
قوله تعالى : { الأعراب أشد كفروا ونفاقا وأجدر ألا تعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم } { الأعراب } جمع أعربي ، وهو البدوي الذي يطلب مساقط الغيث والكلأ سواء كان من العرب أو من مواليهم . ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب وهم سكان البادية{[1875]} ، والأعرابي إذا قيل له : يا عربي ، فرح ، لكن العربي إذا قيل له : يا أعربي ، غضب له . فمن استوطن القرى العربية فهم عرب . ومن نزل البادية فهم أعراب .
وقيل : إنما سمي العرب بهذا الاسم ؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة وهي من تهامة ، فنسوا إلى بلدهم ، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ؛ لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسماعيل . وقيل : سموا بالعرب ؛ لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم . واللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة{[1876]} .
والمعنى المقصود هنا : أن الأعراب أشد جحودا وعصيانا لله وأعظم نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار ، وقد وصفهم الله بذلك ؛ لشدة جفائهم ، وقسوة قلوبهم ، ولقلة ما يستمعون إلى أهل العلم ؛ فهم أبعد الناس عن معرفة السنن وسماع التنزيل ؛ فهم بذلك أقل علما ودراية بحقوق الله { وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } و { حدود ما انزل الله } ، أي شرعه وأحكام دينه . والأعراب اخلق وأحق من غيرهم أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله من الأحكام والفرائض . قوله : { والله عليم حكيم } عليم بحقائق الخلق وبما تكنه الصدور من نوايا . وهو كذلك حكيم في تقديره وتعريفه لشؤون الخلق والعباد{[1877]} .