الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ} (13)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

تأويل الكلام: نودي أنّا اخترناك. فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه "فاسْتَمِعْ إلى ما يُوحَى "يقول: فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

... معناه: اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به، وهذه الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق؛ لأن قوله: {وأنا اخترتك} يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا أنه استحقه على الله تعالى...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" فاستمع لما يوحى "لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى...

فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نورا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفاً له من بين البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله: {وأنا اخترتك} أي للنبوة {فاستمع} أي أنصت ملقياً سمعك معملاً قلبك للسماع {لما} أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماماً به {يوحى} أي يقال لك مني سراً مستوراً عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاماً بعلو قدره وفخامة أمره.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

... وقصارى ذلك: لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له، واجعل كل خاطرك مصروفا إليه..

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... (وأنا اخترتك).. فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون الله بذاته هو الذي يختار. يختار عبدا من العبيد هو فرد من جموع الجموع.. تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة. المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله: كن.. فكان!.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قوله {وأنَا اخْتَرْتُكَ} أخبر عن اختيار الله تعالى موسى بطريق المسند الفعلي المفيد تقوية الحكم، لأنّ المقام ليس مقام إفادة التخصيص، أي الحصر نحو: أنا سعيت في حاجتك، وهو يعطي الجزيل. وموجِب التقوّي هو غرابة الخبر ومفاجأته به دفعاً لتطرّق الشك في نفسه.

والاختيار: تكلف طلب ما هو خير. واستعملت صيغة التكلف في معنى إجادة طلب الخير.

وفُرع على الإخبار باختياره أن أُمِر بالاستماع للوحي لأنه أثر الاختيار إذ لا معنى للاختيار إلاّ اختياره لتلقي ما سيوحي الله.

والمراد: ما يوحى إليه حينئذ من الكلام، وأما ما يوحى إليه في مستقبل الأيام فكونه مأموراً باستماعه معلوم بالأحْرى.

وقرأ حمزة وحده {وأنّا اخترناك} بضميري التعظيم.

واللام في {لِمَا يُوحَى} للتقوية في تعدية فعل « استمع» إلى مفعوله، فيجوز أن تتعلق ب" اخْتَرْتُكَ"، أي اخترتك للوحي فاستمع، معترضاً بين الفعل والمتعلّق به. ويجوز أن يضمّن استمع معنى أصْغِ.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

أي: وإن كنت ربا لك وربا للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك {وأنا اخترتك} أي: للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته...

{فاستمع لما يوحى} ومعنى: استمع أي: جند كل جوارحك، وهيئ كل حواسك لأن تسمع..وقوله تعالى: {لما يوحى}: الوحي عموما: إعلام بخفاء من أي لأي في أي، خيرا كان أم شرا، أما الوحي الشرعي فهو: إعلام من الله إلى رسول أرسله بمنهج خير للعباد...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} لتكون رسولاً من قبلي إلى فرعون لتقوده إلى الإيمان ولتردعه عن الطغيان، وإلى هذا الشعب الذي عاش العبودية في عمق ذاته حتى أصبحت جزءاً من كيانه، بما يقدمه من فروض الطاعة لمستعبديه دون إحساس بضرورة الثورة أمام المستعبدين لنيل الحرية التي تستقيم من خلالها إنسانيتهم. وأنا اخترتك لتكون رسولاً إلى الحياة كلها، ليستقيم لها الطريق من خلال رسالتك وشريعتك، ولتنتظم خطواتها في الخط المستقيم...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ} (13)

قوله تعالى : " وأنا اخترتك " أي اصطفيتك للرسالة . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي " وأنا اخترتك " . وقرأ حمزة " وأنَّا اخترناك " . والمعنى واحد إلا أن " وأنا اخترتك " ها هنا أولى من جهتين : إحداهما أنها أشبه بالخط ، والثانية أنها أولى بنسق الكلام ؛ لقوله عز وجل : " يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك " وعلى هذا النسق جرت المخاطبة ، قاله النحاس .

قوله تعالى : " فاستمع لما يوحى " فيه مسألة واحدة : قال ابن عطية : وحدثني أبي - رحمه الله - قال سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول : لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه : " استمع لما يوحى " وقف على حجر ، واستند إلى حجر ، ووضع يمينه على شمال ، وألقى ذقنه على صدره ، ووقف يستمع ، وكان كل لباسه صوفا .

قلت : حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال : " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله{[11016]} " [ الزمر : 18 ] وذم على خلاف هذا الوصف فقال : " نحن أعلم بما يستمعون به{[11017]} " الآية . فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل ، وأمر عباده بذلك أدبا لهم ، فقال : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون{[11018]} " [ الأعراف : 204 ] وقال ها هنا : " فاستمع لما يوحى " لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى . روي عن وهب بن منبه أنه قال : من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور العقل ، والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى ، وهو أن يكف العبد جوارحه ، ولا يشغلها . فيشتغل قلبه عما يسمع ، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم . وقال سفيان بن عيينة : أول العلم الاستماع ، ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر ، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب ، وجعل له في قلبه نورا .


[11016]:راجع جـ 15 ص 243 فما بعد.
[11017]:راجع جـ 10 ص 272.
[11018]:راجع جـ 7 ص 353.