جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 11]
يقول تعالى ذكره: فلما أتى النارَ موسى، ناداه ربه:"يا موسَى إنّي رَبّك فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ"...
واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله أمر الله موسى بخلع نعليه؛ فقال بعضهم: أمره بذلك، لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فكره أن يطأ بهما الوادي المقدّس، وأراد أن يمسه من بركة الوادي...
وقال آخرون: كانتا من جلد بقر، ولكن الله أراد أن يطأ موسى الأرض بقدميه، ليصل إليه بركتها...
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمره الله تعالى ذكره بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي، إذ كان واديا مقدسا.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار ولا لنجاستهما، ولا خبر بذلك عمن يلزم بقوله الحجة، وإن في قوله "إنّكَ بالوَادِ المُقَدّسِ "بعقبه دليلاً واضحا، على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا...
وأما قوله: "إنّكَ بالوَادِ المُقَدّسِ "فإنه يقول: إنك بالوادي المطهر المبارك... واختلف أهل التأويل في تأويل قوله "طُوًى"؛
فقال بعضهم: معناه: إنك بالوادي المقدس طويته، فعلى هذا القول من قولهم (طوى) مصدر خرج من غير لفظه، كأنه قال: طويت الوادي المقدس طوى... عن ابن عباس: قوله: "إنّكَ بالوَادِ المُقَدّسِ طُوًى" يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مرّ بواديها ليلاً فطواه، يقال: طويت وادي كذا وكذا طوى من الليل، وارتفع إلى أعلى الوادي، وذلك نبيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتين، وقال: ناداه ربه مرّتين، فعلى قول هؤلاء (طوى) مصدر أيضا من غير لفظه، وذلك أن معناه عندهم: نودي يا موسى مرّتين نداءين...
وروى ذلك آخرون: «عليّ ثِنىً»: أي مرّة بعد أخرى، وقالوا: طُوىً وثنىً بمعنى واحد...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قدّس طوى مرّتين...
وقال آخرون: بل طُوى: اسم الوادي...
وقال آخرون: بل هو أمر من الله لموسى أن يطأ الوادي بقدميه... عن عكرمة، في قوله: "طُوًى" قال: طأ الوادي...
وأولى القولين عندي بالصواب قراءة من قرأه بضم الطاء والتنوين... وهو عندي اسم الوادي.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فلما أتاها نودي يا موسى} أي نداء وحي {يا موسى} {إني أنا ربك فاخلع نعليك} قال بعضهم: إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد ميتة. وقال قائلون: أمَرَهُ بنزع نعليه لتمس قدماه بركة ذلك الوادي...وليس لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك، إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى، فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى.
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
والوادي المقدس عبارة عن مقام الكليم موسى عليه السلام مع الله تعالى في الوادي، وإنما تقدس الوادي بما أنزل فيه من الذكر، وسمع كلام الله تعالى.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
قرأ أبو عمرو وابن كثير «أَنّي» بالفتح، أي: نودي بأني {أَنَاْ رَبُّكَ} وكسر الباقون، أي: نودي فقيل يا موسى، أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته. تكرير الضمير في {إني أَنَاْ رَبُّكَ} لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة... [فاخلع نعليك]... والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها...
{طُوًى} بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة. وقيل: مرتين، نحو ثنى أي: نودي نداءين، أو قدس الوادي كرة بعد كرة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(فلما أتاها نودي يا موسى: إني أنا ربك..) نودي بهذا البناء للمجهول. فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه. ولا تعيين صورته ولا كيفيته. ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه.. نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة ما. فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه، ولا نسأل عن كيفيته، لأن كيفيته وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.. إنك في الحضرة العلوية. فتجرد بقدميك. وفي الوادي الذي تتجلى عليه الطلعة المقدسة، فلا تطأه بنعليك.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وتفريع الأمر بخلع النعلين على الإعلام بأنه ربّه إشارة إلى أن ذلك المكان قد حلّه التقديس بإيجاد كلام من عند الله فيه. والخلع: فصل شيء عن شيء كان متّصلاً به. والنعلان: جلدان غليظان يجعلان تحت الرجل ويشدّان برباط من جلد لوقاية الرِّجل ألم المشي على التّراب والحصى، وكانت النعل تجعل على مثال الرجل. وإنما أمره الله بخلع نعليه تعظيماً منه لذلك المكان الذي سيسمع فيه الكلام الإلهي... أقول: وفيه أيضاً زيادة خشوع. وقد اقتضى كلا المعنيين قوله تعالى: {إنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ} فحرف التوكيد مفيد هنا التعليل كما هو شأنه في كل مقام لا يقتضي التأكيد. وهذه خصوصية من جهات فلا يؤخذ منها حكمٌ يقتضي نزع النعل عند الصلاة.
الأولى-قوله تعالى " فاخلع نعليك " روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف ، وجبة صوف ، وكمة صوف ، وسراويل صوف ، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت ) قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج [ حميد - هو ابن علي الكوفي{[11009]} - ] منكر الحديث ، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة ، والكمة القلنسوة الصغيرة . وقرأ العامة " إني " بالكسر ، أي نودي فقيل له : يا موسى إني ، واختاره أبو عبيد . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن محيصن وحميد " أني " بفتح الألف بإعمال النداء . واختلف العلماء في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين . والخلع النزع . والنعل ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض . فقيل : أمر بطرح النعلين ؛ لأنها نجسة إذ هي من جلد غير مذكى ، قاله كعب وعكرمة وقتادة . وقيل : أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس ، وتمس قدماه تربة الوادي ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن جريج . وقيل أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى . وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت . وقيل : إعظاما لذلك الموضع كما أن الحرم لا يدخل بنعلين إعظاما له . قال سعيد بن جبير : قيل له طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا . والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع ، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه ، ولا تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها . وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة برا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة ، والجثة الكريمة . ومن هذا المعنى قول عليه الصلاة والسلام لبشير بن الخصاصية وهو يمشي بين القبور بنعليه : ( إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك ) قال : فخلعتهما . وقول خامس : إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد . وقد يعبر عن الأهل بالنعل . وكذلك هو في التعبير{[11010]} : من رأى أنه لابس نعلين فإنه يتزوج . وقيل : لأن الله تعالى بسط له بساط النور والهدى ، ولا ينبغي أن يطأ بساط رب العالمين بنعله . وقد يحتمل أن يكون موسى أمر بخلع نعليه ، وكان ذلك أول فرض عليه ، كما كان أول ما قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم ( قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر{[11011]} ) [ المدثر : 2 - 3 - 4 - 5 ] والله أعلم بالمراد من ذلك .
الثانية-في الخبر أن موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي . وقال أبو الأحوص : زار عبد الله أبا موسى في داره ، فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى ، فقال أبو موسى لعبد الله : تقدم . فقال عبد الله : تقدم أنت دارك . فتقدم وخلع نعليه ، فقال عبد الله : أبالوادي المقدس أنت ؟ ! وفي صحيح مسلم عن سعيد بن يزيد قال : قلت لأنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين ؟ قال نعم . ورواه النسائي عن عبد الله بن السائب : أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره . وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه ، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره ، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حملكم على إلقائكم نعالكم ) قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمك( إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا ) وقال : ( إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ) . صححه أبو محمد عبد الحق . وهو بجمع بين الحديثين قبله ، ويرفع بينهما التعارض . ولم يختلف العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة من ذكي ، حتى لقد قال بعض العلماء : إن الصلاة فيهما أفضل ، وهو معنى قوله تعالى : " خذوا زينتكم عند كل مسجد{[11012]} " [ الأعراف : 31 ] على ما تقدم . وقال إبراهيم النخعي في الذين يخلعون نعالهم : لوددت أن محتاجا جاء فأخذها .
الثالثة-فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك ، فإن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه ) قال أبو هريرة للمقبري : اخلعهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلما . وما رواه عبد الله بن السائب رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن يساره فإنه كان إماما ، فإن كنت إماما أو وحدك فافعل ذلك إن أحببت ، وإن كنت مأموما في الصف فلا تؤذ بهما من على يسارك ، ولا تضعهما بين قدميك فتشغلاك ، ولكن قدام قدميك . وروي عن جبير بن مطعم أنه قال : وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة .
الرابعة : فإن تحقق فيهما نجاسة مجمع على تنجيسها كالدم والعذرة من بول{[11013]} بني آدم لم يطهرها إلا الغسل بالماء ، عند مالك والشافعي وأكثر العلماء ، وإن كانت النجاسة مختلفا فيها كبول الدواب وأرواثها الرطبة فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف أو لا ؟ قولان عندنا . وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ثور . وقال أبو حنيفة : يزيله إذا يبس الحك والفرك ، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا البول ، فلا يجزئ فيه عنده إلا الغسل . وقال الشافعي : لا يطهر شيئا من ذلك إلا الماء . والصحيح قول من قال : إن المسح يطهره من الخف والنعل ؛ لحديث أبي سعيد . فأما لو كانت النعل والخف من جلد ميتة فان كان غير مدبوغ فهو نجس باتفاق ، ما عدا ما ذهب إليه الزهري والليث ، على ما تقدم بيانه في سورة " النحل " {[11014]} ومضى في سورة " براءة " {[11015]} القول في إزالة النجاسة والحمد لله .
الخامسة-قوله تعالى : " إنك بالوادي المقدس طوى " المقدس : المطهر . والقدس : الطهارة ، والأرض المقدسة أي المطهرة ، سميت بذلك لأن الله تعالى أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين . وقد جعل الله تعالى لبعض الأماكن زيادة فضل على بعض ، كما قد جعل لبعض الأزمان زيادة فضل على بعض ، ولبعض الحيوان كذلك . ولله أن يفضل ما شاء . وعلى هذا فلا اعتبار بكونه مقدسا بإخراج الكافرين وإسكان المؤمنين ، فقد شاركه في ذلك غيره . و( طوى ) اسم الوادي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وقال الضحاك هو واد عميق مستدير مثل الطوي . وقرأ عكرمة " طِوًى " . الباقون " طُوًى " . قال الجوهري : " طوى " اسم موضع بالشام ، تكسر طاؤه وتضم ، ويصرف ولا يصرف ، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة ، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة . وقال بعضهم : " طوى " مثل " طوى " وهو الشيء المثني ، وقالوا في قوله " المقدس طوى " : طوي مرتين أي قدس . وقال الحسن : ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين . وذكر المهدوي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قيل له " طوى " لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي ، فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه ، فكأنه قال : ( إنك بالواد المقدس ) الذي طويته طوى ، أي تجاوزته فطويته بسيرك . الحسن : معناه أنه قدس مرتين ، فهو مصدر من طويته طوى أيضا .