الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ} (18)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} موسى عليه السلام {هي عصاي أتوكؤا عليها} يقول: أعتمد عليها إذا مشيت {وأهش بها على غنمي} يقول: أخبط بها الشجر فيتهاش الورق في الأرض، فتأكله غنمي إذا رعيتها... {ولي فيها} يعني: في العصا {مئارب أخرى}، يعني: حوائج أخرى...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قول تعالى ذكره مخبرا عن موسى: قال موسى مجيبا لربه:"هِيَ عَصَايَ أتَوَكّأُ عَلَيْها وأهُشّ بِها عَلى غَنَمِي" يقول: أضرب بها الشجر اليابس فيسقط ورقها وترعاه غنمي، يقال منه: هشّ فلان الشجر يهشّ هشا: إذا اختبط ورق أغصانها فسقط ورقها... قال ابن زيد، في قوله: "هيَ عَصَايَ أتَوَكّأُ عَلَيْها وأهُشّ بِها عَلى غَنَمي "قال: يتوكأ عليها حين يمشي مع الغنم، ويهشّ بها، ويحرّك الشجر حتى يسقط الورق الحبَلة وغيرها...

وقوله: "وَليَ فيها مآرِبُ أُخْرَى" يقول: ولي في عصاي هذه حوائج أخرى، وهي جمع مأربة... وهي مفعلة من قولهم: لا أرب لي في هذا الأمر: أي لا حاجة لي فيه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال: {وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى}...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

[{وَلِي فِيهَا مَئَارِبُ أخرى}] ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال: ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان. ليكون جوابه مطابقاً للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه، ويجوز أن يريد عزّ وجلّ أن يعدّد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها؟

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قال هي} أي ظاهراً وباطناً {عصاي} ثم وصل به مستأنساً بلذيذ المخاطبة قوله بياناً لمنافعها خوفاً من الأمر بإلقائها كالنعل: {أتوكأ} أي أعتمد وأرتفق وأتمكن {عليها} أي إذا أعييت أو أعرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال: {وأهشُّ} أي أخبط الورق، قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش، قال: وكذا قال ميمون بن مهران، وقال أبو حيان: والأصل في هذه المادة الرخاوة.

يقال: رجل هش. {بها على غنمي}.

ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل: اجلس على البساط وإياك والانبساط، وطمعاً في سماع كلامه سبحانه وتعالى، فقال مجملاً: {ولي فيها مآرب} أي حوائج ومنافع يفهمها الألبّاء. ولما كان المحدث عنه لا يعقل، وأخبر عنه بجمع كثرة، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال: {أخرى} تاركاً للتفصيل.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إنها عصاه. ولكن أين هو من عصاه؟ إنما يتذكر فيجيب: (قال: هي عصاي، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى).. والسؤال لم يكن عن وظيفة العصا في يده. إنما كان عما في يمينه. ولكنه أدرك أن ليس عن ماهيتها يسأل، فهي واضحة، إنما عن وظيفتها معه. فأجاب.. ذلك أقصى ما يعرفه موسى عن تلك العصا: أن يتوكأ عليها وأن يضرب بها أوراق الشجر لتتساقط فتأكلها الغنم -وقد كان يرعى الغنم لشعيب.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه. وبُنيت الإشارة بالظرف المستقر وهو قوله {بِيَمِينِكَ}، ووقع الظرف حالاً من اسم الإشارة، أي ما تلك حال كونها بيمينك؟. ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها، ولذلك أجاب موسى عن هذا الاستفهام ببيان ماهية المسؤول عنه جرياً على الظاهر، وببيان بعض منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأنّ شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلاّ والسائل يريد من سؤاله أمراً غير ظاهر، ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع: « أيُّ يوم هذا؟» سكت النّاس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. وفي رواية أنهم قالوا: « الله ورسوله أعلم، فقال: أليس يوم الجمعة؟...» إلى آخره...

ومن لطائف معنى الآية ما أشار إليه بعض الأدباء من أن موسى أطنب في جوابه بزيادة على ما في السؤال لأنّ المقام مقام تشريف ينبغي فيه طول الحديث.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وخلاصة القول، أن الاستفهام توجيه لذهن موسى عليه السلام إلى أن ينظر في حقيقتها لكي يدرك من بعد وجه الإعجاز إذا رأى حالها بعد ذلك في الحال التي تتحول إليها...

وكانت هذه العصا بعد ذلك أداة ظاهرة للمعجزات فبها ضرب البحر فافترق، وكان كل فرق كالطود العظيم، وضرب الحجر فانبجست منه اثننا عشرة عينا.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

قال موسى: {هي عصاي}، ثم يفتح لنفسه مجالا آخر للكلام: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)}. وكان موسى ينتظر سؤالا يقول: وما هذه المآرب؟ ليطيل أنسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا ينهيه إلا زاهد في الله.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ} (18)

فيه خمس مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " وما تلك بيمينك " قيل : كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى وحيا ؛ لأنه قال : ( فاستمع لما يوحى ) ولابد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه ، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك . ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه ، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد ، وبرهانا يلقى به قومه . واختلف في " ما " في قوله ( وما تلك ) فقال الزجاج والفراء : هي اسم ناقص وصلت ب " يمينك " أي ما التي بيمينك ؟ وقال أيضا : " تلك " بمعنى هذه ، ولو قال : ما ذلك لجاز ، أي ما ذلك الشيء ، ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى : هي عصاي ، ليثبت الحجة عليه بعد ما اعترف ، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل . وقال ابن الجوهري : وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن ، فقيل له : ألقها لترى منها العجب ، فتعلم أنه لا ملك عليها ولا تنضاف إليك . وقرأ ابن أبي إسحاق " عصي " على لغة هذيل ، ومثله " يا بشرى " {[11039]} و " محيي{[11040]} " وقد تقدم . وقرأ الحسن " عصاي " بكسر الياء لالتقاء الساكنين . ومثل هذا قراءة حمزة " وما أنتم بمصرخي{[11041]} " [ إبراهيم : 22 ] . وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء .

الثانية-في هذه الآية دليل على جواب السؤال{[11042]} بأكثر مما سئل ؛ لأنه لما قال " وما تلك بيمينك يا موسى " ذكر معاني أربعة وهي إضافة العصا إليه ، وكان حقه أن يقول عصا ، والتوكؤ ، والهش ، والمآرب المطلقة . فذكر موسى من منافع عصاه عظمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك . وفي الحديث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت : ألهذا حج ؟ قال ( نعم ولك أجر ) . ومثله في الحديث كثير .

الثالثة-قوله تعالى : " أتوكأ عليها " أي أتحامل عليها في المشي والوقوف ، ومنه الاتكاء " وأهش بها " " وأهش " أيضا ، ذكره النحاس . وهي قراءة النخعي{[11043]} ، أي أخبط بها الورق ، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها ، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله . قال الراجز :

َهُشُّ بالعصا على أغنامي *** من ناعِمِ الأراكِ والبَشَامِ

يقال : هش على غنمه يهش الهاء في المستقبل . وهش إلى الرجل يهش بالفتح وكذلك هش للمعروف يهش وهششت أنا : وفي حديث عمر : هششت يوما فقبلت وأنا صائم . قال شمر : أي فرحت واشتهيت . قال : ويجوز هاش بمعنى هش . قال الراعي

فَكَبَّرَ للرؤيا وهاشَ فؤادُه *** وبَشَّرَ نفساً كان قبلُ يلومُها

أي طرب . والأصل في الكلمة الرخاوة . يقال رجل هش وزوج هش . وقرأ عكرمة " وأهس " بالسين غير معجمة ، قيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقيل : معناهما مختلف ، فالهش بالإعجام خبط الشجر ، والهس بغير إعجام زجر الغنم ، ذكره الماوردي . وكذلك ذكر الزمخشري . وعن عكرمة : " وأهس " بالسين أي أنحي عليها زاجرا لها والهس زجر الغنم .

الرابعة-قوله تعالى : " ولي فيها مآرب أخرى " أي حوائج . واحدها مَأْرُبة ومَأْرَبة ومَأْرِبة . وقال : " أخرى " على صيغة الواحد ؛ لأن مآرب في معنى الجماعة ، لكن المهيع{[11044]} في توابع جمع ما لا يعقل الإفراد والكناية عنه بذلك ، فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة ، كقوله تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها{[11045]} " [ الأعراف : 180 ] وكقولك " يا جبال أوبي معه " {[11046]} [ سبأ : 10 ] وقد تقدم هذا في " الأعراف " {[11047]} .

الخامسة-تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس ، قال : إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرشا وصلته بالعصا ، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني ، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها ، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة ، وأقاتل بها السباع عن الغنم .

وروى عنه ميمون بن مهران قال : إمساك العصا سنة للأنبياء ، وعلامة للمؤمن . وقال الحسن البصري : فيها ست خصال : سنة للأنبياء ، وزينة الصلحاء ، وسلاح على الأعداء ، وعون للضعفاء ، وغم المنافقين ، وزيادة في الطاعات . ويقال : إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان ، ويخشع منه المنافق والفاجر ، وتكون قبلته إذا صلى ، وقوة إذا أعيا . ولقي الحجاج أعرابيا فقال : من أين أقبلت يا أعرابي ؟ قال : من البادية . قال : وما في يدك ؟ قال : عصاي أركزها لصلاتي{[11048]} ، وأعدها لعداتي ، وأسوق بها دابتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثب بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر ، ويدفئني من القر ، وتدني إلي ما بعد مني ، وهي محمل سفرتي ، وعلاقة إداوتي ، أعصي بها عند الضراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح في الطعان ، وعن السيف عند منازلة الأقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني ، وأهش بها على غنمي ، ولي فيها مآرب أخرى ، كثيرة لا تحصى .

قلت : منافع العصا كثيرة ، ولها مدخل في مواضع من الشريعة : منها أنها تتخذ قبلة في الصحراء ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عَنَزَة{[11049]} تركز له فيصلي إليها ، وكان إذا خرج يوم العيد أم بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها ، وذلك ثابت في الصحيح . والحربة والعنزة والنيزك والآلة اسم لمسمى واحد . وكان له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبله ، ثابت في الصحيح أيضا . وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر . وفي الصحيحين : أنه عليه الصلاة والسلام كان له مخصرة{[11050]} . والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا ، فالعصا مأخوذة من أصل كريم ، ومعدن شريف ، ولا ينكرها إلا جاهل . وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام ، والآيات الجسام ، ما آمن به السحرة المعاندون . واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته . وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى الله عليه وسلم وعنزته ، وكان يخطب بالقضيب - وكفى بذلك فضلا على شرف حال العصا - وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء ، وعادة العرب العرباء ، الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام ، وفي المحافل والخطب . وأنكرت الشعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعاني . والشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم . قال مالك : كان عطاء بن السائب يمسك المخصرة يستعين بها . قال مالك : والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه .

قلت : وفي مشيته كما قال بعضهم :

قد كنت أمشي على رجلين معتمدا *** فصرت أمشي على أخرى من الخشب

قال مالك رحمه الله ورضي عنه : وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكؤون عليها ، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم ، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم . ومن منافع العصا ضرب الرجل نساءه بها فيما يصلحهم ، ويصلح حاله وحالهم معه . ومنه قوله عليه السلام ( وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه{[11051]} ) في إحدى الروايات . وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه : ( لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في الله ) رواه عبادة بن الصامت ، خرجه النسائي . ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( علق سوطك حيث يراه أهلك ) وقد تقدم هذا في " النساء " {[11052]} . ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار ، كما قيل لبعض الزهاد : مالك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض ؟ قال إني أعلم أني مسافر ، وأنها دار قلعة ، وأن العصا من آلة السفر ، فأخذه بعض الشعراء فقال :

حملتُ العصا لا الضعفُ أوجب حملها *** عليَّ ولا أني تحنيت من كبر

ولكنني ألزمتُ نفسيَ حملها *** لأُعلمها أن المقيم على سفر

فيه خمس مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " وما تلك بيمينك " قيل : كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى وحيا ؛ لأنه قال : ( فاستمع لما يوحى ) ولابد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه ، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك . ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه ، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد ، وبرهانا يلقى به قومه . واختلف في " ما " في قوله ( وما تلك ) فقال الزجاج والفراء : هي اسم ناقص وصلت ب " يمينك " أي ما التي بيمينك ؟ وقال أيضا : " تلك " بمعنى هذه ، ولو قال : ما ذلك لجاز ، أي ما ذلك الشيء ، ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى : هي عصاي ، ليثبت الحجة عليه بعد ما اعترف ، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل . وقال ابن الجوهري : وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن ، فقيل له : ألقها لترى منها العجب ، فتعلم أنه لا ملك عليها ولا تنضاف إليك . وقرأ ابن أبي إسحاق " عصي " على لغة هذيل ، ومثله " يا بشرى " {[1]} و " محيي{[2]} " وقد تقدم . وقرأ الحسن " عصاي " بكسر الياء لالتقاء الساكنين . ومثل هذا قراءة حمزة " وما أنتم بمصرخي{[3]} " [ إبراهيم : 22 ] . وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء .

الثانية-في هذه الآية دليل على جواب السؤال{[4]} بأكثر مما سئل ؛ لأنه لما قال " وما تلك بيمينك يا موسى " ذكر معاني أربعة وهي إضافة العصا إليه ، وكان حقه أن يقول عصا ، والتوكؤ ، والهش ، والمآرب المطلقة . فذكر موسى من منافع عصاه عظمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك . وفي الحديث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت : ألهذا حج ؟ قال ( نعم ولك أجر ) . ومثله في الحديث كثير .

الثالثة-قوله تعالى : " أتوكأ عليها " أي أتحامل عليها في المشي والوقوف ، ومنه الاتكاء " وأهش بها " " وأهش " أيضا ، ذكره النحاس . وهي قراءة النخعي{[5]} ، أي أخبط بها الورق ، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها ، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله . قال الراجز :

َهُشُّ بالعصا على أغنامي *** من ناعِمِ الأراكِ والبَشَامِ

يقال : هش على غنمه يهش الهاء في المستقبل . وهش إلى الرجل يهش بالفتح وكذلك هش للمعروف يهش وهششت أنا : وفي حديث عمر : هششت يوما فقبلت وأنا صائم . قال شمر : أي فرحت واشتهيت . قال : ويجوز هاش بمعنى هش . قال الراعي

فَكَبَّرَ للرؤيا وهاشَ فؤادُه *** وبَشَّرَ نفساً كان قبلُ يلومُها

أي طرب . والأصل في الكلمة الرخاوة . يقال رجل هش وزوج هش . وقرأ عكرمة " وأهس " بالسين غير معجمة ، قيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقيل : معناهما مختلف ، فالهش بالإعجام خبط الشجر ، والهس بغير إعجام زجر الغنم ، ذكره الماوردي . وكذلك ذكر الزمخشري . وعن عكرمة : " وأهس " بالسين أي أنحي عليها زاجرا لها والهس زجر الغنم .

الرابعة-قوله تعالى : " ولي فيها مآرب أخرى " أي حوائج . واحدها مَأْرُبة ومَأْرَبة ومَأْرِبة . وقال : " أخرى " على صيغة الواحد ؛ لأن مآرب في معنى الجماعة ، لكن المهيع{[6]} في توابع جمع ما لا يعقل الإفراد والكناية عنه بذلك ، فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة ، كقوله تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها{[7]} " [ الأعراف : 180 ] وكقولك " يا جبال أوبي معه " {[8]} [ سبأ : 10 ] وقد تقدم هذا في " الأعراف " {[9]} .

الخامسة-تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس ، قال : إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرشا وصلته بالعصا ، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني ، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها ، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة ، وأقاتل بها السباع عن الغنم .

وروى عنه ميمون بن مهران قال : إمساك العصا سنة للأنبياء ، وعلامة للمؤمن . وقال الحسن البصري : فيها ست خصال : سنة للأنبياء ، وزينة الصلحاء ، وسلاح على الأعداء ، وعون للضعفاء ، وغم المنافقين ، وزيادة في الطاعات . ويقال : إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان ، ويخشع منه المنافق والفاجر ، وتكون قبلته إذا صلى ، وقوة إذا أعيا . ولقي الحجاج أعرابيا فقال : من أين أقبلت يا أعرابي ؟ قال : من البادية . قال : وما في يدك ؟ قال : عصاي أركزها لصلاتي{[10]} ، وأعدها لعداتي ، وأسوق بها دابتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثب بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر ، ويدفئني من القر ، وتدني إلي ما بعد مني ، وهي محمل سفرتي ، وعلاقة إداوتي ، أعصي بها عند الضراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح في الطعان ، وعن السيف عند منازلة الأقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني ، وأهش بها على غنمي ، ولي فيها مآرب أخرى ، كثيرة لا تحصى .

قلت : منافع العصا كثيرة ، ولها مدخل في مواضع من الشريعة : منها أنها تتخذ قبلة في الصحراء ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عَنَزَة{[11]} تركز له فيصلي إليها ، وكان إذا خرج يوم العيد أم بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها ، وذلك ثابت في الصحيح . والحربة والعنزة والنيزك والآلة اسم لمسمى واحد . وكان له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبله ، ثابت في الصحيح أيضا . وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر . وفي الصحيحين : أنه عليه الصلاة والسلام كان له مخصرة{[12]} . والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا ، فالعصا مأخوذة من أصل كريم ، ومعدن شريف ، ولا ينكرها إلا جاهل . وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام ، والآيات الجسام ، ما آمن به السحرة المعاندون . واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته . وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى الله عليه وسلم وعنزته ، وكان يخطب بالقضيب - وكفى بذلك فضلا على شرف حال العصا - وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء ، وعادة العرب العرباء ، الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام ، وفي المحافل والخطب . وأنكرت الشعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعاني . والشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم . قال مالك : كان عطاء بن السائب يمسك المخصرة يستعين بها . قال مالك : والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه .

قلت : وفي مشيته كما قال بعضهم :

قد كنت أمشي على رجلين معتمدا *** فصرت أمشي على أخرى من الخشب

قال مالك رحمه الله ورضي عنه : وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكؤون عليها ، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم ، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم . ومن منافع العصا ضرب الرجل نساءه بها فيما يصلحهم ، ويصلح حاله وحالهم معه . ومنه قوله عليه السلام ( وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه{[13]} ) في إحدى الروايات . وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه : ( لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في الله ) رواه عبادة بن الصامت ، خرجه النسائي . ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( علق سوطك حيث يراه أهلك ) وقد تقدم هذا في " النساء " {[14]} . ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار ، كما قيل لبعض الزهاد : مالك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض ؟ قال إني أعلم أني مسافر ، وأنها دار قلعة ، وأن العصا من آلة السفر ، فأخذه بعض الشعراء فقال :

حملتُ العصا لا الضعفُ أوجب حملها *** عليَّ ولا أني تحنيت من كبر

ولكنني ألزمتُ نفسيَ حملها *** لأُعلمها أن المقيم على سفر


[11039]:راجع جـ 9 ص 152 وص 357.
[11040]:راجع جـ 7 ص 152.
[11041]:راجع جـ 9 ص 357.
[11042]:في جـ و ط و ك و ي: المسئول.
[11043]:وروى عن النخعي أيضا أنه قرأ: "وأهش" بضم الهمزة والشين من "أهش" رباعيا.
[11044]:المهيع: الطريق الواضح الواسع البين.
[11045]:راجع جـ 7 ص 325 وص 327 فما بعد.
[11046]:راجع جـ 14 ص 264 فما بعد.
[11047]:راجع جـ 7 ص 325 وص 327 فما بعد.
[11048]:في ج: لصواتي.
[11049]:العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا، وفيها سنان مثل سنان الرمح.
[11050]:المخصرة بالخاء المعجمة والصاد المهملة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب وقد يتكئ عليه. النهاية.
[11051]:هذا من حديث فاطمة بنت قيس ، حيث جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها فقال: "أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له" الترمذي.
[11052]:راجع جـ ص 174.

[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".
[4]:آية 92 سورة الحج
[5]:آية 98 سورة النحل
[6]:قوله: يقال له خنزب. في نهاية ابن الأثير: "قال أبو عمرو: وهو لقب له، والخنزب (بالفتح): قطعة لحم ويروى بالكسر والضم".
[7]:الزيادة عن لسان العرب مادة (حجر).
[8]:هو النابغة الذبياني، كما في لسان العرب (شطن)
[9]:الزيادة عن لسان العرب مادة (شطن).
[10]:في الأصول: "إذ بطل" والتصويب عن اللسان
[11]:الفائل: عرق في الفخذين يكون في خربة الورك ينحدر في الرجلين.
[12]:عكاه في الحديد والوثاق إذا شده.
[13]:راجع ج 11 ص 111وفي ج 13 ص 121.
[14]:أي وقال الله هي: مقسومة.