الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ} (83)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وما أعجلك"؟ وأيّ شيء أعجلك عن قومك يا موسى، فتقدمتهم وخلّفتهم وراءك، ولم تكن معهم؟

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أخْرَجَهُمْ مع نَفْسِه لمَّا استصحبهم، ثم تقدَّمَهم بخطوات فتأخروا عنه، فقيل له في ذلك مراعاةٌ لحقِّ صحبتهم. ويقال قومٌ يُعاتَبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم... فشتان ما هما!

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: {وَمَا أَعْجَلَكَ} سؤال عن سبب العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك،أي شيء عجل بك عنهم على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى. وزل عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظراً إلى دواعي الحكمة، وعلماً بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء. وليس لقول من جوّز أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح، يأباه قوله: {هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى}.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل رأى على جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادراً إلى أمر الله تعالى، وحرصاً على القرب منه وشوقاً إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى عليه السلام وناجى ربه زاده في الأجل عشراً، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{وما أعجلك} استفهام وهو على الله محال. الجواب أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه... {وعجلت} والعجلة مذمومة...

قوله: {لترضى} المراد تحصيل دوام الرضا كما أن قوله: {ثم اهتدى} المراد دوام الاهتداء... {وعجلت إليك} يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله تعالى له، وإلا لم يكن ذلك تعجيلا ثم ظن أن مخالفة أمر الله تعالى سبب لتحصيل رضاه وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلا عن كليم الله تعالى.والجواب: ما ذكرنا أن ذلك كان بالاجتهاد وأخطأ فيه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وما أعجلك} أي أيّ شيء أوجب لك العجلة في المجيء {عن قومك} وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟ {يا موسى} فهلا أتيتم جمله وانتظرتم أمراً أمراً جديداً بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

لقد واعد الله موسى -عليه السلام- على الجبل ميعادا ضربه له ليلقاه بعد أربعين يوما؛ لتلقي التكاليف: تكاليف النصر بعد الهزيمة. وللنصر تكاليفه، وللعقيدة تكاليفها، ولا بد من تهيؤ نفسي واستعداد للتلقي. وصعد موسى إلى الجبل، وترك قومه في أسفله، وترك عليهم هارون نائبا عنه.. لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه، والوقوف بين يديه، وقد ذاق حلاوتها من قبل، فهو إليها مشتاق عجول. ووقف في حضرة مولاه. وهو لا يعلم ما وراءه، ولا ما أحدث القوم بعده؛ حين تركهم في أسفل الجبل. وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه.. فلنشهد المشهد ولنسمع الحوار: (وما أعجلك عن قومك يا موسى)؟

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والاستفهام مستعمل في اللّوْم. والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه الآية: أنّ موسى تعجّل مفارقة قَومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبّان الذي عيّنه الله له، اجتهاداً منه ورغبة في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسرائيل بجبل الطور، ولم يراع في ذلك إلا السبق إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه الله على أن غفل عن مراعاة ما يحفّ بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذّرهم مكر من يتوسّم فيه مكراً، فكان في ذلك بمنزلة أبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبي صلى الله عليه وسلم راكعاً فركع ودَبّ إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ».

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

عتب الله تعالى على كليمه المختار تعجله في ذاته، وعتب عليه أن سبق قومه وتركهم، وهم يحتاجون إلى رعايته ومراقبة خواطرهم ببصيرته وهم قريبو عهد بمعاشرة الفاسقين.

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

الهداية -ذم العجلة وبيان آثارها الضارة فاستعجال موسى الموعد وتركه قومه وراءه كان سبباً في أمر عظيم وهو عبادة العجل وما تترب عليها من آثار جسام.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ} (83)

قوله تعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى " أي ما حملك على أن تسبقهم . قيل : عنى بالقوم جميع بني إسرائيل ، فعلى هذا قيل : استخلف هارون على بني إسرائيل ، وخرج معه بسبعين رجلا للميقات فقوله : " قال هم أولاء على أثري " ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه ، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم . وقيل : لا بل كان أمر هارون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به . وقال قوم : أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم ، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله . وقيل : لما وفد إلى طور سينا بالوعد اشتاق إلى ربه وطالت عليه المسافة من شدة الشوق إلى الله تعالى ، فضاق به الأمر شق قميصه ، ثم لم يصبر حتى خلفهم ومضى وحده ، فلما وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى : " وما أعجلك عن قومك يا موسى " فبقي صلى الله عليه وسلم متحيرا عن الجواب وكنى عنه بقوله : " هم أولاء على أثري " وإنما سأله السبب الذي أعجله يقوله " ما " فأخبر عن مجيئهم بالأثر . " وعجلت إليك رب لترضى " فكنى عن ذكر الشوق وصدقه{[11144]} إلى ابتغاء الرضا . ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : " وعجلت إليك رب لترضى " قال : شوقا . وكانت عائشة رضي الله عنها إذا آوت إلى فراشها تقول : هاتوا المجيد . فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك ، رواه سفيان عن مِسْعَر عن عائشة رضي الله عنها . وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول : " إنه حديث عهد بربي " فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق ، ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه : " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق " . قال ابن عباس : كان الله عالما ولكن قال " وما أعجلك عن قومك " رحمة لموسى ، وإكراما له بهذا القول ، وتسكينا لقلبه ، ورقة عليه{[11145]} ، فقال مجيبا لربه : " هم أولاء على أثري " . قال أبو حاتم قال عيسى : بنو تميم يقولون : " هم أولى " مقصورة مرسلة ، وأهل الحجاز يقولون " أولاء " ممدودة . وحكى الفراء " هم أولاء على أثري " وزعم أبو إسحاق الزجاج : أن هذا لا وجه له . قال النحاس وهو كما قال : لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي . ولا يخلو من إحدى جهتين : إما أن يكون اسما مبهما فإضافته محال ، وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضا ؛ لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة . وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب " على إثري " بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر ، لغتان . " وعجلت إليك رب لترضى " أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني . يقال : رجل عجل وعجل وعجول وعجلان بين العجلة ، والعجلة خلاف البطء .


[11144]:في ب و جـ وط و ك وي: وصرفه.
[11145]:المراد بالرقة هنا التعطف.