الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ} (23)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ذكر ما أعد الله، عز وجل، للمؤمنين، فقال سبحانه: {إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} يقول: تجري العيون من تحت البساتين.

{يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} أي أساور من لؤلؤ. {ولباسهم فيها حرير}، مما يلي الجسد الحرير، وأعلاه السندس والإستبرق.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال، فإن الله يُدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحلّيهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا...

وقوله:"وَلِباسُهُمْ فيها حَرِيرٌ" يقول: ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... وقال ابن عباس: لا تشبه أمور الآخرة أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط وأما الصفات فمتباينة.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه. أحدها: المسكن، وهو قوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار}، وثانيها: الحلية، وهو قوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور، وإن كان من أحله لهم أيضا شاركهم فيه؛ لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة. وثالثها: الملبوس وهو قوله: {ولباسهم فيها حرير}.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{إن الله} أي الذي له الأمر كله {يدخل الذين آمنوا} عبر في الإيمان بالماضي ترغيباً في المبادرة إلى إيقاعه {وعملوا الصالحات} تصديقاً لإيمانهم، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من عمل الصالح انكشف له ما كان محجوباً عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه {جنات تجري} أي دائماً {من تحتها الأنهار} أي المياه الواسعة، أينما أردت من أرضها جرى لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار {يحلون فيها} في مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم {من أساور}. ولما كان مقصودها الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل، شوّق إليه بأعلى ما نعرف من الحلية فقال: {من ذهب ولؤلؤاً}...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفاً بالواو على جملة {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] بأن يقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يُدخلهم الله جنات... إلى آخره. فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلاً مفتتحاً بحرف التأكيد ومتوّجاً باسم الجلالة، والبليغ لا تفوته معرفة أنّ هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة.

فقوله: {يدخل الذين آمنوا} الخ مقابل قوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} [الحج: 22]. وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب} يقابل قوله {يصب من فوق رؤوسهم الحميم} [الحج: 19]. وقوله: {ولباسهم فيها حرير} مقابل قوله: {قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19]. وقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} مقابل قوله: {وذوقوا عذاب الحريق} [الحج: 22] فإنه من القول النكِد.

والتحليّة: وضع الحَلْي على أعضاء الجسم...

والأساور: جمع أسورة الذي هو جمع سِوار. أشير بجمع الجمع إلى التكثير كما تقدم في قوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً} في [سورة الكهف: 31].

و (مِن) في قوله {من أساور} زائدة للتوكيد. ووجهه أنه لما لم يعهد تحلية الرجال بالأساور كان الخبر عنهم بأنهم يُحلّون أساور معرّضاً للتردد في إرادة الحقيقة فجيء بالمؤكد لإفادة المعنى الحقيقي، ولذلك ف {أساور} في موضع المفعول الثاني ل {يُحلَّون}...

واللؤلؤ: الدرّ. ويقال له الجمان والجوهر...

ولما كانت التحلية غير اللباس جيء باسم اللباس بعد {يُحَلّون} بصيغة الاسم دون (يلبسون) لتحصيل الدلالة على الثّبات والاستمرار كما دلّت صيغة {يُحَلّون} على أن التحلية متجددة بأصناف وألوان مختلفة، ومن عموم الصيغتين يفهم تحقق مثلها في الجانب الآخر فيكون في الكلام احتباك كأنه قيل: يحلّون بها وحليتهم من أساور من ذهب ولباسهم فيها حرير يلبسونه.

والحرير: يطلق على ما نسج من خيوط الحرير كما هنا.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

فالفريق المؤمن يدخله الله تعالى بسبب إيمانه، ولقد عبر بالموصول، {جنات تجري من تحتها الأنهار} ويجتمع فيها النعيم الحسي، والنفسي، فيكون المنظر البهيج بالأنهار تجري من تحت الجنات، وغرف أهل الجنة، وقد أضاف سبحانه وتعالى الإدخال إليه كأنهم في ضيافته مكرمون، لا يلقون في الجحيم مدحورين معذبين. وهذا أقصى أحوال النعيم الحسي، وقد يقال: كيف يذكر ذلك على أنه من نعيم أهل الجنة، وقد وردت الآثار بأن الذهب والحرير حرام على رجال الأمة، فكيف يذكران على أنهما من نعيم أهل الجنة. والجواب عن ذلك: إن الجنة ليست دار تكليف، إنما هي دار ثواب، ولذا كان فيها أنهار من خمر لذة للشاربين وفوق ذلك أن الجنة فيها نعيم الرجال والنساء، ولا شك أن الأساور واللآلئ والحرير من نعيم النساء، والله سبحانه وتعالى هو المكافئ العلي القدير.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وأوضحت الآيات التالية وضع المؤمنين الصالحين، مستخدمة اُسلوب المقارنة، لتكشف بها عن وضع هاتين المجموعتين، وهنا تستعرض هذه الآيات خمسة أنواع من المكافئات للمؤمنين فخلافاً للمجموعة الأُولى الذين يتقلّبون في نار جهنّم، نجد أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتّعون بنعيم رياض الجنّة على ضفاف الأنهار وهذه هي المكافأة الأُولى، وأمّا لباسهم وزينتهم فتقول الآية: و (يحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير). وهاتان مكافئتان يمنّ الله بهما كذلك على عباده العالمين في الجنّة، يهبهم أفخر الملابس التي حرموا منها في الدنيا، ويجملّهم بزينة الأساور التي منعوا عنها في الحياة الأُولى، لأنّها كانت تؤدّي إلى إصابتهم بالغرور والغفلة، وتكون سبباً لحرمان الآخرين وفقرهم. أمّا في الجنّة فينتهي هذا المنع ويباح للمؤمنين لباس الحرير والحلي وغيرها. وبالطبع ستكون للحياة الاُخروية مفاهيم أسمى ممّا نفكّر به في هذه الدنيا الدنيّة، لأنّ مبادىء الحياة ومدلولها يختلفان في الدنيا عمّا هي في الآخرة...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ} (23)

قوله تعالى : " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار " لما ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن . " يحلون فيها من أساور من ذهب " " من " صلة{[11455]} . والأساور جمع أسورة ، وأسورة واحدها سوار ، وفيه ثلاث لغات : ضم السين وكسرها وإسوار . قال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة ، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة : سوار من ذهب ، وسوار من فضة ، وسوار من لؤلؤ . قال هنا وفي فاطر{[11456]} : " من أساور من ذهب ولؤلؤا " [ فاطر : 33 ] وقال في سورة الإنسان : " وحلوا أساور من فضة " {[11457]}[ الإنسان : 21 ] . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) . وقيل : تحلى النساء بالذهب والرجال بالفضة . وفيه نظر ، والقرآن يرده . " ولؤلؤا " قرأ نافع وابن القعقاع وشيبة وعاصم هنا وفي سورة الملائكة{[11458]} " لؤلؤا " بالنصب ، على معنى ويخلون لؤلؤا ، واستدلوا بأنها مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف . وكذلك قرأ يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر بالنصب هنا والخفض في " فاطر " اتباعا للمصحف ، ولأنها كتبت ههنا بألف وهناك بغير ألف . الباقون{[11459]} بالخفض في الموضعين . وكان أبو بكر لا يهمز " اللؤلؤ " في كل القرآن ، وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف . قال القشيري : والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت{[11460]} .

قلت : وهو ظاهر القرآن بل نصه . وقال ابن الأنباري : من قرأ " ولؤلؤ " بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب . وقال السجستاني : من نصب " اللؤلؤ " فالوقف الكافي " من ذهب " ؛ لأن المعنى ويحلون لؤلؤا . قال ابن الأنباري : وليس كما قال ، لأنا إذا خفضنا " اللؤلؤ " نسقناه على لفظ الأساور ، وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور ، وكأنا قلنا : يحلون فيها أساور ولؤلؤا ، فهو في النصب بمنزلته في الخفض ، فلا معنى لقطعه من{[11461]} الأول .

قوله تعالى : " ولباسهم فيها حرير " أي وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير ، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير . وروى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة ) . فإن قيل : قد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة ، فهل يحرمها إذا دخل الجنة ؟ قلنا : نعم ! إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل الجنة ؛ لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا . لا يقال : إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف ، فأما إذا دخل الجنة فلا ؛ لأن حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة والجنة ليست بدار عقوبة ، ولا مؤاخذة فيها بوجه . فإنا نقول : ما ذكرتموه محتمل ، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه . وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة ) . والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه ، بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه ، وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو ) . وهذا نص صريح وإسناده صحيح . فإن كان ( وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو الغاية في البيان ، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلى بالمقال وأقعد بالحال ، ومثله لا يقال بالرأي ، والله أعلم . وكذلك ( من شرب الخمر ولم يتب ) و( من استعمل آنية الذهب والفضة ) وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه ، وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة . وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفى ، والحمد لله ، وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة ، وقد ذكرناه في سورة الكهف{[11462]} .


[11455]:هذا على مذهب الأخفش والكوفيين الذين يجيزون زيادة "من"في الإيجاب. أما الذين لا يحيزون زيادتها في الإيجاب فقال بعضهم: إنها للتبعيض، وبعضهم إنها للابتداء، وبعضهم إنها بيانية. (راجع البحر المحيط، وروح المعاني في الكلام عن هذه الآية}.
[11456]:راجع ج 14 ص ....
[11457]:راجع ج 19 ص 141.
[11458]:راجع ج 14 ص ... .
[11459]:الذي في المصحف طبعة الحكومة المصرية أنها بالألف في الموضعين.
[11460]:المصمت: الذي لا يخالطه غيره.
[11461]:في ك، عن.
[11462]:راجع ج 10 ص 397.