وقوله تعالى : { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى } توبيخ مبني على ذلك التوبيخ ومداره تفضيل جانب أنفسهم على جنابه عز وجل حيث جعلوا له تعالى الإناث واختاروا لأنفسهم الذكور ، ومناط الأول نفس تلك النسبة ، وقيل : المعنى { أَرَءيْتُمْ } هذه الأصنام مع حقارتها وذلتها شركاء لله سبحانه مع ما تقدم من عظمته ، وقيل : المعنى اخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السابقة ، وقيل : المعنى أظننتم أن هذه الأصنام التي تعبدونها تنفعكم ؛ وقيل المعنى { فرأيتم } هذه الأصنام إن عبدتموها لا تنفعكم وإن تركتموها لا تضركم ، ولا يخفى أن قوله تعالى : { أَلَكُمُ } الخ لا يلتئم مع ما قبله على جميع هذه الأقوال التئامه على القول السابق ، وقيل : إن قوله سبحانه : { أَلَكُمُ } الخ في موضع المفعول الثاني للرؤية وخلوها عن العائد إلى المفعول الأول لما أن الأصل أخبروني أن اللات والعزى ومناة ألكم الذكر وله هن أي تلك الأصنام فوضع موضعها الأنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق مناط التوبيخ وهو على تكلفه يقتضي اقتصار التوبيخ على ترجيح جانبهم الحقير الذليل على جناب الله تعالى العزيز الجليل من غير تعرض للتوبيخ على نسبة الولد إليه سبحانه ، وفي الكشف وجه النظم الجليل أنه بعدما صور أمر الوحي تصويراً تاماً وحققه بأن ما يستمعه وحي لا شبهة فيه لأنه رأى الآتي به وعرفه حق المعرفة قال سبحانه : { أفتمارونه على مَا يرى } [ النجم : 12 ] على معنى أتلاحونه بعد هذه البيانات على ما يرى من الآيات المحقق لأنه على بينة من ربه سبحانه هادياً مهدياً ، وأني يبقى للمراء مجال وقد رآه نزلة أخرى ؟ا وعرفه حق المعرفة ، ثم قيل : { لَقَدْ رأى مِنْ ءايات } [ النجم : 18 ] الخ تنبيهاً على أن ما عدّ منها فهو أيضاً نفي للضلالة والغواية وتحقيق للدراية والهداية .
وقوله تعالى : { أَفَرَءيْتُمُ } [ النجم : 19 ] عطف على تمارونه وإدخال الهمزة لزيادة الإنكار والفاء لأن القول بأمثاله مسبب عن الطبع والعناد وعدم الإصغاء لداعي الحق ، والمعنى أبعد هذا البيان تستمرون على ما أنتم عليه من المراء فترون اللات والعزى ومناة أولاداً له تعالى ثم أخسها وسد مسد المفعول الثاني قوله تعالى : { أَلَكُمُ } الخ زيادة للإنكار فعلى هذا ليس { أَفَرَءيْتُمُ } في معنى الاستخبار وجاز أن يكون في معناه على معنى { أفتمارونه } فأخبروني هل لكم الذكر وله الأنثى ، والقول مقدر أي فقل لهم أخبروني والمعنى هو كذا تهكماً وتنبيهاً على أنه نتيجة مرائهم وأن من كان هذا معتقده فهو على الضلال الذي لا ضلال بعده ولا يبعد عن أمثاله نسبة الهادين المهديين إلى ما هو فيه من النقص انتهى ، وما ذكره أولاً أولى وهو ليس بالبعيد عما ذكرنا .
{ ألكم الذكر وله الأنثى } : أي أتزعمون أن لكم الذكر الذي ترضونه لأنفسكم ولله الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم .
أخبروني ألكم الذكر لأنكم تحبون الذكران وترضون بهم لأنفسكم ، وله الأنثى لأنكم تكرهونها ولا ترضون بها لأنفسكم .
- التنديد بالشرك والمشركين وتسفيه أحلامهم لعبادتهم أسماء لا مسميات لها في الخارج إذ تسمية حجراً إلهاً لن تجعله إلهاً .
{ أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى ( 23 ) }
أتجعلون لكم الذَّكر الذي ترضونه ، وتجعلون لله بزعمكم الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم ؟
وقوله - سبحانه - : { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } توبيخ آخر لهم على جهلهم ، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم . . .
ولفظ " ضيزى " بمعنى جائرة وظالمة . يقال : ضاز فلان فى حكمه ، إذا جار وظلم ولم يراع القسط فى أقواله وأفعاله ، ويقال : ضاز فلان فلانا حقه ، إذا بخسه ونقصه . .
قال الجمل ما ملخصه : قرأ الجمهور { ضيزى } من ضازه يضيزه . إذا جار عليه ، فمعنى " ضيزى " جائرة . وعلى هذا فتحتمل وجهين : أحدهما أن تكون صفة على " فعلى " ، - بضم الفاء - وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض - جمع أبيض - .
وثانيهما : أن تكون من ضأزه بالهمزة كقراءة ابن كثير ، إلا أن الهمزة قد خففت . . ومعنى ضأزه يضأزه : نقصه .
أى : أجعلتم لله - تعالى - البنات ، وجعلتم لأنفسكم البنين ، مع تفضيلكم للبنين على البنات ، ومع اعترافكم بأن الله - تعالى - هو الخالق لكم ولكل شىء .
إن فعلكم هذا لهو فى غاية الجور والظلم ، لأنكم نسبتم إلى الله - تعالى - وهو خالقكم ما استنكفتم من نسبه لأنفسكم .
فأنت ترى أنه - سبحانه - لم يكتف بوصفهم بالكفر ، بل أضاف إلى ذلك وصفهم بالجور والحمق وانطماس البصيرة .
وجملة : { تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد من الاستفهام فى قوله : { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى } .
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله : { أَلَكُمُ . . } لإفادة التخصيص .
والإشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة من قوله : { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى } و { إِذاً } فى قوله : { تِلْكَ إِذاً . . . } حرف جواب . أى : إن كان الأمر كما زعمتم ، فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة .