{ أفتمارونه على ما يرى } أفتجادلونه عليه ، من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب " أفتمرونه " أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم .
أفتمارونه : من المراء ، وهو الملاحاة والمجادلة ، أي أفتُجادلونه .
12-{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } .
أفتجادلونه وتكذِّبونه وتتهمونه مرة بالسحر ومرة بالشعر ومرة بالكهانة ، ومرة بكتابة أساطير الأولين ، ومرة بالتَّخيُّل والجنون .
وهو قد رأى جبريل واقترب منه ، وتيقن أنه جبريل حامل الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ، فما كان ينبغي لكم تكذيبه ولا مجادلته ، إنه نبي الله حقا ، أوحى إليه مَلَك حقيقي ، وأنزل الله عليه الوحي حقا .
قال تعلى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . } ( الشعراء : 193-196 )
{ أفتمارونه على ما يرى } أتكذبونه فتجادلونه فيما يراه من الصور التي يأتي بها عليه جبريل عليه السلام بعد ما رآه قبل وحققه ؛ بحيث لا يشتبه عليه بأي صورة أتى . أو فيها رآه من صورة جبريل عليه السلام على خلقته الأصلية . يقال : ما رآه يماريه مماراة ومراء ، جادله . مشتق من مرى الناقة يمريها ، إذا مسح ضرعها ليخرج لبنها وتدبر به . فشبه به الجدال ؛ لأن كلا من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه ، أي يسعى لاستخراجه ليلزمه الحجة . وعدي الفعل ب " على " لتضمنه معنى المغالبة .
{ أفتمارونه على مَا يرى } أي أتكذبونه فتجادلونه على ما يراه معاينة فتمارونه عطف على محذوف على ما ذهب إليه الزمخشري من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة إذا مسح ظهرها وضرعها ليخرج لبنها وتدرّ به فشبه به الجدال لأن كلا من المتجادلين يطلب الوقوف على ما عند الآخر ليلزمه الحجة فكأنه يستخرج درّه .
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وعبد الله . وابن عباس . والجحدري . ويعقوب . وابن سعدان . وحمزة والكسائي . وخلف { أفتمارونه } بفتح التاء وسكون الميم مضارع مريت أي جحدت يقال : مريته حقه إذا جحدته ، وأنشدوا لذلك قول الشاعر
: لئن هجرت أخا صدق ومكرمة *** لقد ( مريت ) أخا ما كان يمريكا
/ أو مضارع مريته إذا غلبته في المراء على أنه من باب المغالبة ، ويجوز حمل ما في البيت عليه وعدى الفعل بعلى وكان حقه أن يعدي بفي لتضمينه معنى المغالبة فإن المجادل والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم ، وقرأ عبد الله فيما حكى ابن خالويه . والشعبي فيما ذكر شعبة { أفتمارونه } بضم التاء وسكون الميم مضارع أمريت قال أبو حاتم : وهو غلط ، والمراد بما يرى ما رآه من صورة جبريل عليه السلام ، وعبر بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية لما فيها من الغرابة ، وفي البحر جيء بصيغة المضارع وإن كانت الرؤية قد مضت إشارة إلى ما يمكن حدوثه بعد ، وقيل : المراد { أفتمارونه على مَا يرى } من الصور التي يظهر بها جبريل عليه السلام بعد ما رآه قبل وحققه بحيث لا يشتبه عليه بأي صورة ظهر فالتعبير بالمضارع على ظاهره .
{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ( 14 ) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ( 17 ) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ( 18 ) }
أتُكذِّبون محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فتجادلونه على ما يراه ويشاهده من آيات ربه ؟
قوله تعالى :{ أفتمارونه على ما يرى } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : ( أفتمرونه ) بفتح التاء بلا ألف ، أي : أفتجحدونه ، تقول العرب : مريت الرجل حقه إذا جحدته ، وقرأ الآخرون : ( أفتمارونه ) بالألف وضم التاء ، على معنى أفتجادلونه على ما يرى ، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به ، فقالوا : صف لنا بيت المقدس ، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به ، والمعنى : أفتجادلونه جدالاً ترمون به دفعه عما رآه وعلمه .
ثم وبخ - سبحانه - المشركين على تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يخبرهم عنه من شئون الوحى ، فقال : { أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى } .
والمماراة : المجادلة والملاحاة بالباطل . يقال : مارَى فلان فلانا مماراة ومِرَاء ، إذا جادله ، مأخوذ من مَرَى الناقة يَمْريها . إذا مسح ضرعها ليستدر لبنها ، ويأخذه كاملا ، فشبه الجدال بذلك ، لأن كل واحد من المتجادلين يَمرِّى ما عند صاحبه ، أى : يسعى لاستخراج كل ما عنده ، حتى يقيم الحجة عليه .
وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة .
أى : أفتجادلون نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما رآه بعينيه ، وتجادلونه فى شىء هو تحقق منه بعقله وبصره ، وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل - عليه السلام - ؟ إن مجادلتكم له فى ذلك ، هو من قبيل التعنت الواضح ، والجهل الفاضح ، لأنكم كذبتموه وجادلتموه فى شىء هو قد رآه وتحقق منه ، وأنتم تعلمون أنه صادق أمين .
فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل .
هذا وقد ذكر العلماء ، أن هذه الآيات ، تشير إلى رؤية النبى - صلى الله عليه وسلم - لجبريل ، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى - عليها ، فقد كان جبريل يأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى صورة آدمى ، فسأله أن يريه نفسه على صورته التى خلق عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة فى الأرض وهى التى تشير إليها هذا الآيات ، ومرة فى السماء ، وهى التى تشير إليها الآيات التالية .
وقد توسع الإمام ابن كثير فى ذكر الأحاديث التى وردت فى ذلك فقال ما ملخصه :
عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ير جبريل فى صورته إلى مرتين ، أما واحدة فإنه سأله أن يراه فى صورته ، فسد الأفق ، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد .