المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{يَـٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا} (28)

28- يا سلالة هارون النبي التقى الورع ، كيف تأتين ما أتيت وما كان أبوك فاسد الأخلاق وما كانت أمك فاجرة{[125]} .


[125]:{يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا}: ذكر في دائرة المعارف الإنجليزية أن القرآن غلط غلطا تاريخيا حين قال: "يا أخت هارون" في سورة مريم مع أن بين هارون أخي موسى مئات من السنين، وقد غفلوا عن أن الأخوة تطلق في لسان العرب علي الأخوة الشبيهة، فالمراد من أشبهت هارون في الصلاح والتقوى، ما الذي غير حالك من الصلاح إلي ضده، وما كان أبوك امرأ سوء يأتي الخنا، وما كانت أمك امرأة فحش.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا} (28)

قوله تعالى : " يا أخت هارون " اختلف الناس في معنى هذه الأخوة ومن هارون ؟ فقيل : هو هارون أخو موسى ، والمراد من كنا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا . وقيل : على هذا كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده ، كما يقال للتميمي : يا أخا تميم ، وللعربي يا أخا العرب ، وقيل : كان لها أخ من أبيها اسمه هارون ؛ لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل تبركا باسم هارون أخي موسى ، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل ، قاله الكلبي . وقيل : هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم اسمه هارون . وقال قتادة : كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل ؛ إذ كانت موقوفة على خدمة البيع ، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لذلك . وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : إن مريم ليست بأخت هارون أخي موسى ، فقالت له عائشة : كذبت . فقال لها : يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فهو أصدق وأخبر ، وإلا فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة . قال : فسكتت . وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقال إنكم تقرؤون " يا أخت هارون " وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك ، فقال : ( إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ) . وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أن النصارى قالوا له : إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدة ستمائة سنة ؟ ! قال المغيرة : فلم أدر ما أقول ، وذكر الحديث . والمعنى أنه اسم وافق اسما . ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء ، والله أعلم .

قلت : فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد . الزمخشري : كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون ، وإن صح فكما قال السدي لأنها كانت من نسله ، وهذا كما تقول للرجل من قبيلة : يا أخا فلان . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن أخا صداء{[10827]} قد أذن ، فمن أذن فهو يقيم ) وهذا هو القول الأول . ابن عطية : وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ، ذكره الطبري ولم يسم قائله .

قلت : ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقا مثلا في الفجور فنسبت إليه . والمعنى : ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها ؟ ! وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح . وذلك يوجب عندنا الحد وسيأتي في سورة " النور " القول فيه إن شاء الله تعالى . وهذا القول الأخير يرده الحديث الصحيح ، وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه ، ولا غبار عليه . والحمد لله . وقرأ عمر بن لجأ التيمي : ما كان أباك امرؤ{[10828]} سوء .


[10827]:هو زياد بن الحرث الصدائي، كان قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن لصلاة الفجر فأذن فأراد بلال أن يقيم فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أخا صداء قد أذن. . . " الحديث.
[10828]:قال في "البحر": يجعل الخبر المعرفة والاسم النكرة، وحسن ذلك قليلا كونها فيها مسوغ جواز الابتداء بالنكرة وهو الإضافة.