تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

وهو غيرُ مقبولٍ لديهم ، لأنهم أجرموا بإصرارهم على الكفر فلم يؤمنوا به .

وقد مضت سنّةُ الله في إمهالهم ، وهكذا تجدنا نفعلُ باللاحقين كما فعلنا بالسابقين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الضمير للذكر أيضاً ، والجملة في موضع الحال من مفعول { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] أي غير مؤمن به ، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن الالقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد عرفا ، ويجوز أن تكون بياناً للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب ، قال في الكشف : وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل موقع الكلام . وفي إرشاد العقل السليم أنه قد جعل ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء المفهوم من { يَسْتَهْزِئُونَ } [ الحجر : 11 ] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير { بِهِ } له أيضاً على أن الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسة الاستهزاء ، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن عطية إلا أنه جعل الباء للسببية ، وكذا الفاضل الجلبي ، ولا يخفى أن بعد ذلك يغنى عن رده . وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير { بِهِ } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل الدليل عليه ليس ببدع في القرآن ، وجوز على هذا كون الجملة حالاً من { المجرمين } [ الحجر : 12 ] ولا يتعين كونها حالاً من الضمير ليتعين رجوعه للذكر ، وذكر أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقوبه إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم ، وجعل الآية دليلاً على أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم : إنه قبيح فلا يصدر منه سبحانه ، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل ، ولا يخفى أنه لم يصب المحز وغفل عن قولهم : الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال .

وفي الكشف بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب والتأويل ، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه مكذوباً في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه ؛ ولخص المعنى ههنا بأنه تعالى يلقيه في قلوبهم مكذباً لا أن التكذيب فعله سبحانه .

نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أنس . والحسن تفسير ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] إلى الشرك ، وإخراج هو . وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في الآية : هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما نحن فيه آخر ، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى { الذكر } [ الحجر : 9 ] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً يظهر له أثر قوى وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه .

وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك ، ولا يلزم أن تكون العظمة باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باتعبار اللطف والإحسان . وتعقب ذلك الشهاب بقوله : لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم به ، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر ، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذباً به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية ، ولا يخفى ما في { كذلك } [ الحجر : 12 ] مما يناسب نون العظمة أيضاً وقد مر التنبيه عليه غير مرة . { وَقَدْ خَلَتِ } مضت { سَنَةٍ } طريقة { الاولين } والمراد عادة الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في ، والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم ، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك ، وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم ، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم ، وإلى الأول ذهب الزجاج ، وادعى الإمام أنه الاليق بظاهر اللفظ ؛ وبين ذلك الطيبي قائلاً : ان التعريف في { المجرمين } [ الحجر : 12 ] للعهد ، والمراد بهم المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة ، ولست بأوحدى في ذلك وقد خلت سنة الأولين ، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية للرسول عليه السلاة والسلام ، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر ، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اه .

وفيه غفلة عن نغزى الزمخشري ، وقد تفطن لذلك صاحب الكشف ولله تعالى دره حيث قال : أراد أن موقع { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره موقع الغاية في الشعراء ( 201 ) أعني قوله تعالى هنالك { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } فانهم لما شبهوا بهم قيل : لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم يؤمنوا فكذلك هؤلاء ، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة ، وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافاً إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الأنباء ، ثم إنه ليس المقصود منه الوعيد على ما قررناه ، وقد صرح أيضاً بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء بها تكملة للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد ، ثم ما ذهب إليه الزمخشري منالمراد بالسنة مروى عن قتادة . فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عنه أنه قال في الآية : قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم . وعن ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب ، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 12]

يقول تعالى ذكره: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأوّلين. بالاستهزاء بالرسل، كذلك نفعل ذلك في قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بالكفر بالله. "لا يُؤمِنُونَ بِهِ "يقول: لا يصدّقون بالذكر الذي أنزل إليك. والهاء في قوله: "نَسْلُكُهُ" من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم... عن قتادة: "كذلكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يؤمنون به"، قال: إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به...

وقوله: "وَقَدْ خَلَتْ سُنّةُ الأوّلِينَ" يقول تعالى ذكره: لا يؤمن بهذا القرآن قومك الذين سلكت في قلوبهم التكذيب، حتى يَرَوُا العَذَابَ الألِيمَ أخذا منهم سنة أسلافهم من المشركين قبلهم من قوم عاد وثمود وضربائهم من الأمم التي كذّبت رسلها، فلم تؤمن بما جاءها من عند الله حتى حلّ بها سخط الله فهلكت...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{لا يؤمنون به} يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه، واختاره، كقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} (الصف: 5) وكقوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} (البقرة: 26). وقال بعضهم: قوله: {كذلك} نجعل الكفر والتكذيب {في قلوب المجرمين} بكفرهم كقوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} الآية (الأنعام: 25) وقوله: {وجعلنا قلوبهم قاسية} (المائدة: 13) ونحوه. ويحتمل قوله: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} الحجج والآيات ليكون تكذيبهم وردهم الآيات والحجج وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة لأنهم {لا يؤمنون به}...

{وقد خلت سنة الأولين} يحتمل قوله {وقد خلت سنة الأولين} بالتكذيب والرد والمعاندة والمكابرة بعد قيام الحجج والآيات.

ويحتمل {وقد خلت سنة الأولين} بالهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله ومعاندتهم إياها.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... {سُنَّةُ الأوّلِينَ} طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{لا يؤمنون به} لشيء من الأشياء، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك {وقد خلت سنة الأولين}... ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله {وقرآن مبين} والغرض بيان أنه تعالى يعمي بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهاراً للقدرة والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة {لا يؤمنون به}... أي تعيه عقولهم ولا يؤمنون به. وهذا عام مراد به من ماتوا على الكفر منهم. والمراد أنهم لا يؤمنون وقتاً ما. وجملة {وقد خلت سنة الأولين} معترضة بين جملة {لا يؤمنون به} وجملة {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء} [الحجر: 14] الخ.

والسنّة: العادة المألوفة. وتقدم في قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} في سورة آل عمران (137). وإضافتها إلى {الأولين} باعتبار تعلقها بهم، وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا، والإضافة لأدنى ملابسة.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

الضمير في {به} يعود إلى الذكر، وهو الحق الذي يوجب الإيمان، وهذه الجملة مقررة لما قبلها؛ لأن إذا كان الباطل قد دخل في قلوبهم دخول الخيط في المخيط، فإنه لا يمكن أن يجتمع والحق في قلب واحد، فلا يمكن أن يؤمنوا بالذكر الحكيم..

وفي ذكر هذه الجملة السامية {وقد خلت سنة الأولين} إشارة إلى أمرين: إلى استمكان الكفر والضلال في نفوسهم، وقراره فيها، وأنه لا رجاء لمن كان على هذه الحال..

وإذا كان ذلك ما كتبه الله تعالى عليهم كما كتب على من سبقوهم، فلا تظن أيها الرسول الأمين أن كفرهم لنقص في المعجزة التي جئتهم بها، إنما ذلك لأنهم صدوا عن الحق، فلو جئت بالمعجزات التي لا يماري فيها العقلاء لماروا فيها، وادعوا ضلال أبصارهم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ومع وضوح البلاغ والتأكيد وبيان المنطق الرباني وإِظهار المعجزات، ترى المتعصبين المستهزئين (لا يؤمنون به) و هو ليس بجديد (وقد خلت سنّة الأولين).