تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ} (15)

سكرت : سدت ومنعت من الإبصار .

لقالوا لِفَرْطِ عنادهم ، إنما سُدَّتْ أبصارُنا ، فما نراه تخيُّلٌ لا حقيقةَ له ، وقد سَحَرَنا محمدٌ بما يَظْهرُ على يده من الآيات ، وظلّوا في عنادِهم ومكابَرَتِهم سادِرين .

قراءات :

قرأ ابن كثير : «سُكرِت » بالتخفيف ، والباقون بالتشديد كما هو في المصحف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ} (15)

{ لَقَالُواْ } لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة وتفاديهم عن قبول الحق : { إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا } أي سدت ومنعت من الأبصار حقيقة وما نراه تحيل لا حقيقة له ، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد ، وروى أيضاً عن ابن عباس . وقتادة فهو من السكر بالفتح ، وقال أبو حيان : بالكسر السد والحبس ، وقال ابن السيد : السكر بالفتح سد الباب والنهر وبالكسر السد نفسه ويجمع على سكور ، قال الرفاء :

غناؤنا فيه ألحان السكور إذا . . . قل الغناء ورنات النواعير

ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن كثير . والحسن . ومجاهد { سُكّرَتْ أبصارنا } بتخفيف الكاف مبنياً للمفعول لأن سكر المخفف المتعدي اشتهر في معنى السد ، وعن عمرو بن العلاء أن المراد حيرت فهو من السكر بالضمر ضد الصحو ، وفسروه بأنه حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق ، ولذا قال الشاعر :

سكران سكر هوى وسكر مدامة . . . أني يفيق فتى به سكران

والتشديد في ذلك للتعدية لأن سكر كفرح لازم في الأشهر وقد حكى تعديه فيكون للتكثير والمبالغة ، وأرادوا بذلك أنه فسدت أبصارنا واعتراها خلل في احساسها كما يعتري عقل السكران ذلك فيختل إدراكه ففي الكلام على هذا استعارة وكذا على الأول عند بعض ويشهد لهذا المعنى قراءة الزهري { سُكّرَتْ } بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنياً للفاعل لأن الثلاثي اللازم مشهور فيه ولأن سكر بمعنى سد المعروف ففيه فتح الكاف .

واختار الزجاج أن المعنى سكنت عن أبصار الحقائق من سكرت الريح تسكر سكراً إذا ركدت ويقال : ليلة ساكرة لا ريح فيها والتضعيف للتعدية ولهم أقوال أخر متقاربة في المعنى . وقرأ أبان بن تغلب وحملت لمخالفتها سواد المصحف على التفسير سحرت أبصارنا { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوا ذلك عند ظهور سائر الآيات الباهرة ، والظاهر على ما قال القطب انهم أرادوا أولا سكرت أبصارنا لا عقولنا فنحن وأن تخيلنا هذه الأشياء بأبصارنا لكن نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار وقالوا : بل تجاوز ذلك إلى عقولنا ، وفسر الزمخشري الحصر بأن ذلك ليس إلا تسكيراً فأورد عليه بأن { إِنَّمَا } إنما تفيد الحصر في المذكور آخراً وحينئذ يكون المعنى ما نقدم وهو مبني على أن تقديم المقصور على المقصور عليه لازم وخلافه ممتنع ، وقد قال المحقق في شرح التخليص انه يجوز إذا كان نفس التقديم يفيد الحصر كما في قولنا : إنما زيداً ضربت فإنه لقصر الضرب على زيد ، وقال أبو الطيب :

صفاته لم تزده معرفة . . . لكنها لذة ذكرناها

أي ما ذكرناها إلا لذة إلا أن هذا لا ينفع فيما نحن فيه . نعم نقل عن عروس الأفراح أن حكم أهل المعاني غير مسلم فإن قولك : إنما قمت معناه لم يقع إلا القيام فهو لحصر الفعل وليس بآخر ولو قصد حصر الفاعل لا نفصل ، ثم أورد عدة أمثلة من كلام المفسرين تدل على ما ذكروه في المسألة ، فالظاهر أن الزمخشري لا يرى ما قالوه مذرداً وهم قد غفلوا عن مراده هنا قاله الشهاب ، وما نقله عن عروس الأفراح في إنما قمت من أنه لحصر الفعل ولو كان لحصر الفاعل لانفصل يخالفه ما في شرح المفتاح الشريفي من أنه إذا أريد حصر الفعل في الفاعل المضمر فإن ذكر بعد الفعل شيء من متعلقاته وجب انفصال الفاعل وتأخيره كما في قولك : إنما ضرب اليوم أنا ، وكما في قول الفرزدق :

أنا الذائد الحامي الذمار وإنما . . . يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

وان لم يذكر احتمل الوجوب طرداً للباب وعدمه بأن يجوز الانفصال نظراً إلى المعنى والاتصال نظراً إلى اللفظ إذ لا فاصل لفظياً اه فإنه صريح في أن إنما قمت لحصر الفاعل وان لم يجب الانفصال لكن اختار السعد في شرحه وجوب الانفصال مطلقاً وحكم بأن الظاهر أن معنى إنما أقوم ما أنا إلا أقوم كما نقله السمرقندي . وأبو حيان مع طائفة يسيرة من انلحاة أنكروا إفادة إنما للحصر أصلا وليس بالمعول عليه عند المحققين لكنهم قالوا : إنها قد تأتي لمجرد التأكيد وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله . ووجه الشهاب الاضراب بعد أن قال هو جعل الأول في حكم المسكوت عنه دون النفي ويحتمل الثاني بأنه اضراب لأن هذا ليس بواقع في نفس الأمر بل بطريق السحر أو هو باعتبار ما تفيده الجملة من الاستمرار الذي دلت عليه الاسمية أي مسحوريتنا لا تختص بهذه الحالة بل نحن سترون عليها في كل ما يرينا من الآيات ، هذا وفي هذه الآية من وصفهم بالعناد وتواطئهم على ما هم فيه من التكذيب والفساد ما لا يخفى ، وفي ذلك تأكيد لما يفهم من الآية الأولى ، وقد ذكر بن المنير في المراد منها وجهاً بعيداً جداً فيما أرى فقال : المراد والله تعالى أعلم إقامة الحجة على المكذبين بأن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويدائها كما سلك في قلوب المؤمنين المصدقين فكذب به هؤلاء وصدق به هؤلاء كل على علم وفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولئلا يكون للكفار على الله تعالى حجة بأنهم ما فهموا وجه الاعجاز كما فهمها من آمن فأعلمهم الله تعالى وهم في مهلة وإمكان أنهم ما كفروا إلا على علم معاندين باغين غير معذورين ولذلك عقبه سبحانه بقوله تعالى : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } الخ أي هؤلاء فهموا القرآن وعلموا وجوه إعجازه وولج ذلك في قلوبهم ووقر ولكنهم قوم سجيتهم العناد وسمتهم اللداد حتى لو سلك بهم أوضح السبل وأدعاها إلى الإيمان لقالوا بعد الإيضاح العظيم : إنما سكرت أبصارنا وسحرنا وما هذه إلا خيالات لا حقائق تحتها فأسجل سبحانه عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم بالتكذيب من عدم سماع ووعى ووصول إلى القلوب وفهم كما فهم غيرهم من المصدقين لأن ذلك كان حاصلاً لهم وليس بهم إلا العناد والإصرار لا غير اه فليتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ} (15)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ولو عاينوا ذلك، {لقالوا} من كفرهم: {إنما سكرت أبصارنا} مخففة، يعنى سدت، ولقالوا: {بل نحن قوم مسحورون}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 14]

اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله:"فَظَلّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ"؛

فقال بعضهم: معنى الكلام: ولو فتحنا على هؤلاء القائلين لك يا محمد "لَوْما تَأْتِينا بالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ "بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم عيانا، لقالُوا: "إنمَا سُكّرَتْ أبصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ"... وقال آخرون: إنما عُني بذلك بنو آدم.

ومعنى الكلام عندهم: ولو فتحنا على هؤلاء المشركين من قومك يا محمد بابا من السماء فظلوا هم فيه يعرجون "لقَالُوا إنّمَا سُكّرَتْ أبْصَارُنا"...

وأما قوله: "يَعْرُجُونَ" فإن معناه: يرقَوْن فيه ويَصْعَدون، يقال منه: عرج يَعْرُج عُروجا إذا رَقِيَ وصَعَد...

وقوله: "لقَالُوا إنّما سُكّرَتْ أبْصَارُنا" يقول: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقّ إنما سكّرت أبصارنا.

واختلفت القراء في قراءة قوله: "سُكّرَتْ" فقرأ أهل المدينة والعراق: "سُكّرَتْ" بتشديد الكاف، بمعنى: غُشّيت وغُطّيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه.

وذُكر عن مجاهد أنه كان يقرأ: «لقَالُوا إنّما سُكرَتْ».

حدثني بذلك الحرث، قال: حدثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدّث عن حمزة، عن شبل، عن مجاهد أنه قرأها: «سُكرَتْ أبْصَارُنا» خفيفة.

وذهب مجاهد في قراءته ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت. وقد حُكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: هو مأخوذ من سُكْر الشراب، وأن معناه: قد غشّى أبصارنا السكر.

وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويله؛

فقال بعضهم: معنى سُكّرَتْ: سدّت... بمعنى: منعت النظر، كما يُسكر الماء فيمنع من الجري بحبسه في مكان بالسكر الذي يسّكر به.

وقال آخرون: معنى سُكرت: أُخذت... عن ابن عباس: إنما أخذ أبصارنا، وشبّه علينا، وإنما سحرنا...

عن قتادة، قال: من قرأ: سُكّرَتْ مشددة: يعني سدّت. ومن قرأ «سُكِرَتْ» مخففة، فإنه يعني سحرت.

وكأن هؤلاء وجّهوا معنى قوله سُكّرَتْ إلى أن أبصارهم سُحرت، فشبه عليهم ما يبصرون، فلا يميزون بين الصحيح مما يرون وغيره من قول العرب: سُكّر على فلان رأيه: إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد، فلم يدر الصواب فيه من غيره، فإذا عزم على الرأي قالوا: ذهب عنه التسكير.

وقال آخرون: هو مأخوذ من السكر، ومعناه: غشي على أبصارنا فلا نبصر، كما يفعل السكر بصاحبه، فذلك إذا دير به وغشي بصره كالسمادير فلم يبصر...

وقال آخرون: معنى ذلك: عميت...

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حدّ إبصارنا وانطفأ نوره، كما يقال للشيء الحارّ إذا ذهبت فورته وسكن حدّ حرّه: قد سكر يسكر...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إنما سكرت أبصارنا} قيل: حيرت، وسدت {بل نحن قوم مسحورون} أي سحرت أعيننا، فلا ترى ذلك. وقال بعضهم: قوله: {ولو فتحنا عليهم} أي لهم {بابا من السماء}...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والتسكير: إدخال اللطيف في المسام، ومنه السكر بالشراب، والسكر: السد بالتراب "لقالوا إنما سكرت أبصارنا "بما أدخل فيها من اللطيف في مسامها، حتى منعنا من رؤية الأشياء على حقيقتها. وأصل السكر السد بما أدخل في المسام، "بل نحن قوم مسحورون" أي يقولون: سحرنا، فنحن مسحورون والسحر حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة، ولهذا من عمل بالسحر كان كافرا، لأنه يدعي المعجزة للكذابين، فلا يعرف نبوة الصادقين.

وروي ابن خالويه عن الزهري أنه قرأ "سَكِرَت" بفتح السين وكسر الكاف، والتخفيف أي: اختلطت وتغيرت عقولهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

والمعنى: أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك. وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{لقالوا} عناداً وإبعاداً عن الإيمان: {إنما سكرت} أي سدت وغشيت {أبصارنا} أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعاً {بل نحن قوم} أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته {مسحورون} أي ثابت وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري. ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء. ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان. وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل. فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف! إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير، مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير.. وهذا النموذج ليس محليا ولا وقتيا، ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.. إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته، وتستغلق بصيرته، وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي، وينقطع عن الوجود الحي من حوله، وعن إيقاعاته وإيحاءاته. هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها "المذاهب العلمية! "وهي أبعد ما تكون عن العلم؛ بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة.. إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله؛ ويجادلون في وجوده -سبحانه- وينكرون هذا الوجود.. ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته، بلا خالق، وبلا مدبر، وبلا موجه.. يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و "أخلاقية!" كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس، والتي لا تنفصل عنه بحال.. "علمية".. هي وحدها" العلمية "! وعدم الشعور بوجود الله سبحانه، مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية، هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحا عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون!).. فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء. وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطابا هامسا وجاهرا، باطنا وظاهرا، بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار. إن القول بأن هذا الكون موجود بذاته؛ وفيه كل تلك النواميس المتوافقة لحفظه وتحريكه وتدبيره؛ كما أن فيه كل تلك الموافقات لنشأة الحياة في بعض أجزائه.. وهي موافقات لا تحصى.. إن هذا القول بذاته يرفضه العقل البشري، كما ترفضه الفطرة من أعماقها. وكلما توغل "العلم" في المعرفة بطبيعة هذا الكون وأسراره وموافقاته؛ رفض فكرة التلقائية في وجود هذا الكون وفي حركته بعد وجوده؛ واضطر اضطرارا إلى رؤية اليد الخالقة المدبرة من ورائه.. هذه الرؤية التي تتم للفطرة السوية بمجرد تلقي إيقاعات هذا الكون وإيحاءاته. قبل جميع البحوث العلمية التي لم تجيء إلا أخيرا!...

والذين يجادلون في الله -مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل، وعن منطق الكون.. أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا.. إنهم العمي الذين يقول الله تعالى فيهم: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى). وإذا كانت هذه حقيقتهم؛ فإن ما ينشئونه من مذاهب "علمية!" اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني؛ يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط، صادر عن أعمى، معطل الحواس الأخرى، محجوبا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعا- على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها. وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئا؛ فضلا على أن يكيف نظرته، ويقيم منهج حياته، على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلا! إن هذه قضية إيمانية اعتقادية، وليست قضية رأي وفكر! إن الذي يقيم تفكيره، ويقيم مذهبه في الحياة، ويقيم نظام حياته كذلك، على أساس أن هذا الكون المادي هو منشى ء ذاته، ومنشى ء الإنسان أيضا.. إنما يخطئ في قاعدة الفكر والمذهب والنظام؛ فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير؛ ولا يمكن أن تلتحم في جزئية واحدة مع حياة مسلم، يقيم اعتقاده وتصوره، ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى: لجحدوا أن يكونوا رأوا شيئاً. وأتوا بصيغة الحصر للدلالة على أنهم قد بتّوا القول في ذلك. وردّ بعضهم على بعض ظن أن يكونوا رأوا أبواب السماء وعرجوا فيها، وزعموا أنهم ما كانوا يبصرون، ثم أضربوا عن ذلك إضراب المتردّد المتحيّر ينتقل من فرض إلى فرض فقالوا: {بل نحن قوم مسحورون}، أي ما رأيناه هو تخيلات المسحور، أي فعادوا إلى إلقاء تبعة ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سحرهم حين سأل لهم الله أن يفتح باباً من السماء ففتحه لهم.

وإقحام كلمة {قوم} هنا دون أن يقولوا: بل نحن مسحورون، لأن ذكرها يقتضي أن السحر قد تمكن منهم واستوى فيه جميعهم حتى صار من خصائص قوميتهم كما تقدم تبيينه عند قوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164). وتكرر ذلك.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{بل نحن قوم مسحورون} الإضراب للترقي في الحكم من سحر أبصارهم إلى سحر كل أجسامهم، وليسوا آحادا بل إنهم قوم مسحورون. وهكذا تجد الكفر قد استقر في قلوبهم فلا يؤمنون بأية آية ولا يصدون أي دليل، فذرهم في غيهم يعمهون ولا تلتفت إليهم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وخلفية هذا الرد أن هؤلاء المجرمين لا يفكرون بما يُعرض عليهم، لأن ذلك سوف يحرجهم أمام الحقيقة، وأمام أنفسهم، وأمام الناس، ولهذا فإنهم يتهربون باستمرار من كل الحجج التي تلاحقهم، برفضها أو بتأويل الظواهر، حتى إذا لم يجدوا مجالاً للهروب، أعلنوا العناد بكل صلفٍ وقساوة وكفران...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... عجباً، أن يصل الإنسان لهذا الدرك من العناد والتعصب! إِن الذنوب والجهل ومعاداة الحق تؤثر على الروح الطاهرة والفطرة السليمة، فتحجبهما عن رؤية وجه الحقيقة الناصع، وتمنعهما من إِدراك الحقائق، وإذا لم يتمكن الإنسان من رفع تلك الحجب وإِزالة الموانع، فإِنّ صورة الحق ستتلوّث في نظره فينكر كل ما هو معقول ومحسوس معاً، ومن الممكن تطهير الفطرة في المراحل الأُولى، ولكن إذا رسخت في قلبه هذه الحالة وتجذرت وأمست «ملكة» وصفة أخلاقية، فلا يمكن إزالتها بسهولة، وعندها سوف لا تترك أقوى الأدلة العقلية ولا أوضح الأدلة الحسية أي تأثير في قلبه...

فمعنى الآية: لو أخذنا المشركين إلى أقطار السماوات لقالوا أوّلاً: إنّنا أصبنا بالشعوذة، وبعد أن يجدوا أنّ هذه العملية لا تتوقف على العين فقط فسيقولون حينها: إِنّنا مسحورون!...