{ أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال والتنبيه على ما لهم من المصير والمال وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه ، والظاهر أن رأى بصرية و { مِنْ } مفعولها وهي اسم موصول والجملة بعدها صلة ، و { اتخذ } متعدية لمفعولين أولهما { هَوَاهُ } وثانيهما { إلهه } وقدم على الأول للاعتناء به من حيث أنه الذي يدور عليه أمر التعجيب لا من حيث أن الإله يستحق التعظيم والتقديم كما قيل أي أرأيت الذي جعل هواه إلهاً لنفسه بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه معرضاً عن استماع الحجة الباهرة وملاحظة البرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه ، وقال ابن المنير في تقديم المفعول الثاني هنا نكتة حسنة وهي إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول ( أَرَأَيْتَ . واتخذ ) الأصل فيه هواه إلهه على أن هواه مبتدأ خبره إلهه فإذا قيل إلهه هواه كان من تقديم الخبر على المبتدأ وهو يفيد الحصر فيكون معنى الآية حينئذ أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه .
وقال «صاحب الفرائد » : تقدمي المفعول الثاني يمكن حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبراً فالمقدم هو المبتدأ فمن جحعل ما هنا نظير قولك : علمت منطلقاً زيداً فقد غفل عن هذا ، ويمكن أن يقال : المتقدم ههنا يشعر بالثبات بخلاف المتأخر فتقدم { إلهه } يشعر بأنه لا بد من إله فهو كقولك اتخذ ابنه غلامه فإنه يشعر بأن له ابناً ولا يشعر بأن له غلاماً فهدا فائدة تقديم إلهه على هواه . وتعقب ذلك الطيبي فقال : لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم وأن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره عن أصل المعنى فإذا قيل : زيد الأسد فالأسد هو المشبه به أصالة ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع فإذا جعلته مبتدأ في قولك : الأسد زيد فقد أزلته مقره الأصلي للمبالغة ، وما نعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه لا القاء فيه فالمشبه به ههنا إلاله والمشبه الهوى لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإلهفقدم المشبه به الأصلي وأوقع مشبهاً ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة عندهم أقوى من الإله عز وجل كقوله تعالى : { قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } [ البقرة : 275 ] ولمح «صاحب المفتاح » إلى هذا المعنى في كتابه .
وأما المثال الذي أورده «صاحب الفرائد » فمعنى قوله : اتخذ ابنه غلامه جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله وقوله : اتخذ غلامه ابنه جعل غلامه كابنه مكرماً مدللاً اه ، وأنت تعلم ما في قوله : إن المعرفتين أيهما قدم كان المبتدأ فإن الحق أن الأمر دائر مع القرينة والقرينة هنا قائمة على أن { إلهه } الخبر وهي عقلية لأن المعنى على ذلك فلا حاجة إلى جعل ذلك من التقديم المعنوي ، وقال شيخ الإسلام : من توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما في التعريف فقد زل عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو الملتبس بالحالة الحادثة ؛ وفي ذلك رد على أبي حيان حيث أوجب كونهما على الترتيب .
ونقل عن بعض المدنيين أنه قرأ { ءالِهَةً } منونة على الجمع وجعل ذلك على التقديم والتأخير ، والمعنى جعل كل جنس من هواه إلهاً ، وذكر أيضاً أن ابن هرمز قرأ { ءالِهَةً } على وزن فعالة وهو أيضاً من التقديم والتأخير أي جعل هواه الهة بمعنى مألوهة أي معبودة والهاء للمبالغة فلذلك صرفت ، وقيل : بل الإلاهة الشمس ويقال ألاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام التعريف في بعض اللغات صارت بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت كالمنكر بعد التعريف قاله «صاحب اللوامح » وهو كما ترى . والآية نزلت على ما قيل في الحرب بن قيس السهمي كان كلما هوى حجراً عبده ، وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية فإذا وجد أحسن منه رمى به وعبد الآخر فأنزل الله تعالى { أَرَأَيْتَ } لخ . وزعم بعضهم لهذا ونحوه أن هواه بمعنى مهويه وليس بلازم كما لا يخفى .
وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية كلما هوى شيئاً ركبه وكلما اشتهى شيئاً أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فالآية شاملة لمن عبد غير الله تعالى حسب هواه ولمن أطاع الهوى في سائر المعاصي وهو الذي يقتضيه كلام الحسن ، فقد أخرج عنه عبد بن حميد أنه قيل له : أفي أهل القبلة شرك ؟ فقال : نعم المنافق مشرك إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله تعالى وإن المنافق عبد هواه ثم تلا هذه الآية ، والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة .
وقد أخرج الطبراني . وأبو نعيم في «الحلية » عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله تعالى أعظم عند الله عز وجل من هوى يتبع " ولا يكاد يسلم على هذا من عموم الآية إلا من اتبع ما اختاره الله تعالى لعباده وشرعه سبحانه لهم في كل ما يأتي ويذر ، وعليه يدخل الكافر فيما ذكر دخولاً أولياً { أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } استئناف مسوق لاستبعاد كونه صلى الله عليه وسلم حفيظاً على هذا المتخذ يزجره عما هو عليه من الضلال ويرشده إلى الحق طوعاً أو كرهاً وإنكار له ، والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل : أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى تعسره على الانقياد إلى الهدى شاء أو أبى ، وجوز أن تكون وأي علمية وهذه الجملة في موضع المفعول الثاني وليس بذاك .
ومن باب الإشارة : وفي قوله تعالى : { أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } [ الفرقان : 43 ] إنه عام في كل من مال إلى هوس نفسه واتبعه فيما توجه إليه ، ومن هنا دقق العارفون النظر في مقاصد أنفسهم حتى إنهم إذا أمرتهم بمعروف لم يسارعوا إليه وتأملوا ماذا أرادت بذلك فقد حكي عن بعضهم أن نفسه لم تزل تحسه على الجهاد في سبيل الله تعالى فاستغرب ذلك منها لعلمه أن النفس أمارة بالسوء فأمعن النظر فإذا هي قد ضجرت من العبادة فأرادت الجهاد رجاء أن تقتل فتستريح مما هي فيه من النصب ولم تقصد بذلك الطاعة بل قصدت الفرار منها
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
فنزلت {أرأيت من اتخذ إلهه هواه}... فعبده، {أفأنت} يا محمد {تكون عليه وكيلا}، يعني: مسيطرا يقول: تريد أن تبدل المشيئة إلى الهدى والضلالة.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكره: أرَأيْتَ يا محمد مَنِ اتّخَذَ إلَههُ شهوتَه التي يهواها وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر يعبده، فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه، فلذلك قال جلّ ثناؤه "أرأيْتَ مَنَ اتّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ، أفأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً "يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله؟
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{أفأنت تكون عليه وكيلا} أي لستَ أنت بوكيل ومسلَّط عليهم، ولا حافظ، أي لا تسأل أنت عن أعمالهم، ولا تحاسَبُ عليها، بل هم المسؤولون عنها، وهم مُحاسبون عليها كقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} [الأنعام: 52].
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
كانوا يعبدون من الأصنام ما يَهْوَوْن؛ يستبدلون صنماً بصنم، وكانوا يَجْرُون على مقتضى ما يقع لهم. والمؤمنُ بِحُكْمِ اللَّهِ لا بحكم نفسه، وبهذا يتضح الفرقان بين رجل وبين رجل. والذي يعيش على ما يقع له فعابِدُ هواه، وملتحِقٌ بالذين ذكرهم الحقُّ بالسوءِ في هذه الآية..
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتي ويذر لا يتبصر دليلاً ولا يصغي إلى برهان. فهو عابد هواه وجاعله آلهة، فيقول لرسوله هذا الذي لا يرى معبوداً إلاّ هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام وتقول لا بدّ أن تسلم شئت أو أبيت -ولا إكراه في الدين؟ وهذا كقوله: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45]، {لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر} [الغاشية: 22] ويروى أنّ الرجل منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر...
والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع،..
{أرأيت} كلمة تصلح للإعلام والسؤال، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته...
{اتخذ إلهه هواه} معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلها يهواه، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه، وهذا ضعيف، لأن قوله: {اتخذ إلهه هواه} يفيد الحصر، أي لم يتخذ لنفسه إلها إلا هواه، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب. قال ابن عباس: الهوى إله يعبد...
{أفأنت تكون عليه وكيلا} أي حافظا تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{أرأيت من اتخذ إلهه هواه} هذا يأس عن إيمانهم وإشارة إليه عليه السلام أن لا يتأسف عليهم، وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم ثم ذكر أنهم {أضل سبيلاً} من الأنعام من حيث لهم فهم وتركوا استعماله فيما يخلصهم من عذاب الله. والأنعام لا سبيل لها إلى فهم المصالح.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، سلاه بقوله معجباً من حالهم: {أرأيت من اتخذ} أي كلف نفسه أن أخذ {إلهه هواه} أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم أصلاً في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم موجوداً، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء، وهو الله وحده.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويلتفت بالخطاب إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعزيه عن عنادهم وجموحهم واستهزائهم، فهو لم يقصر في الدعوة، ولم يقصر في الحجة، ولم يستحق ما لاقوه به من التطاول، إنما العلة فيهم أنفسهم. فهم يجعلون من هواهم إلها يعبدونه، ولا يرجعون إلى حجة أو برهان. وماذا يملك الرسول لمن يتخذ إلهه هواه: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه. أفأنت تكون عليه وكيلا؟).. وهو تعبير عجيب يرسم نموذجا عميقا لحالة نفسية بارزة، حين تنفلت النفس من كل المعايير الثابتة والمقاييس المعلومة، والموازين المضبوطة، وتخضع لهواها، وتحكم شهواتها وتتعبد ذاتها، فلا تخضع لميزان، ولا تعترف بحد، ولا تقتنع بمنطق، متى اعترض هواها الطاغي الذي جعلت منه إلها يعبد ويطاع. والله -سبحانه- يخاطب عبده في رفق ومودة وإيناس في أمر هذا النموذج من الناس: (أرأيت؟) ويرسم له هذه الصورة الناطقة المعبرة عن ذلك النموذج الذي لا جدوى من المنطق معه، ولا وزن للحجة، ولا قيمة للحقيقة؛ ليطيب خاطره من مرارة الإخفاق في هدايته. فهو غير قابل للهدى، وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره، ولا أن يحفل بشأنه: (أفأنت تكون عليه وكيلا؟)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخطر بنفسه من الحزن على تكرر إعراضهم عن دعوته إذ كان حريصاً على هداهم والإلحاح في دعوتهم، فأعلمه بأن مثلهم لا يرجى اهتداؤه لأنهم جعلوا هواهم إلههم، فالخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم. وفعل {اتخذ} يتعدى إلى مفعولين وهو من أفعال التصيير الملحقة بأفعال الظن في العمل، وهو إلى باب كَسا وأعطى أقرب منه إلى باب ظنّ، فإن {اتخذ} معناه صيّر شيئاً إلى حالة غير ما كان عليه أو إلى صورة أخرى...
وهذا المعنى أشمل في الذم لأنه يشمل عبادتهم الأصنام ويشمل غير ذلك من المنكرات والفواحش من أفعالهم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{أَرأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} من هؤلاء الذين لا يتحركون في انتماءاتهم وعلاقاتهم وكلماتهم وأعمالهم وكل مشاريعهم في الحياة، من قاعدةٍ فكريةٍ، تحكم كل تطلّعاتهم في الحياة، وتدير أوضاعهم، فيرجعون إليها إذا ضل بهم الطريق، ويقفون عليها إذا اهتزت المواقع، بل يتحركون من خلال أهوائهم التي تنطلق من مواقع غرائزهم، وفي حركة الرياح العاصفة أو الهادئة التي تطوف بالنفس من هنا وهناك، بعيداً عن كل عوامل الثبات والاستقرار. وبذلك كانت أهواؤهم بمنزلة الآلهة، في ما يتعامل به الناس مع الآلهة من تقديس واحترام وطاعةٍ والتزامٍ بخط الرضا الذي يتطلع إليه المؤمنون بهم، فهم يقتربون ويبتعدون، ويتواصلون ويتقاطعون، ويفعلون ويتركون، ويقفون ويتحركون، على أساس ما تتطلبه منهم هذه الأهواء، حتى إذا كان ذلك بعيداً عن رضا الله وقريباً إلى سخطه. أفرأيت هذا النموذج من الناس، إنه يعيش القلق والحيرة والارتباك والضياع، لأنه لا يملك أية قاعدةٍ للاستقرار، ولا يعيش الوحدة في ما يتطلع إليه، وفي ما يعبده ويلتزمه، وفيمن يطيعه، لأن الهوى الذي قد يكون واحداً في المفهوم العام، قد لا يكون واحداً في مفردات الحركة، بل هو متنوّع متقلّب، مختلفٌ حسب اختلاف المزاج والغريزة والجوّ والمحيط، وغير ذلك بما يتأثر به الإنسان بشكلٍ متناقض حسب اختلاف الزمن في ما يحتويه ويتحرك في داخله من مؤثرات. وهذا التعبير القرآني عن الهوى بالإِله في التزام الناس اتباع الهوى، إنما هو من دون اعترافٍ منهم بصفة الألوهية له، بل قد تكون مستغربة منهم لو أطلقها أحد عليه من خلال ذلك، لأن للإله معنىً متميزاً مقدّساً في وعيهم لا يقترب من هذا الواقع الذي يعيشونه. إن هذا التعبير القرآني يوحي بأن حركة المعنى في واقع الناس هي التي تحدّد الالتزام بالألوهية، وليس الانتماء بالكلمة وبالصورة، لأن الألوهية هي أن يلتزم الإنسان بالطاعة للمعبود؛ وبذلك كان الاستسلام للهوى في كل ما يدفع إليه من مواقف، يمثل الالتزام بألوهيته من قبل هذا الإنسان، تماماً كما هي عبادة الأشخاص، حيث تتمثل في إطاعتهم والخضوع لإِرادتهم، وإن لم يتخذوا لهم هذه الصفة بشكل مباشر. وهذا ما جاء في القرآن في قوله تعالى في عبادة الناس للشيطان: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 61]، حيث اعتبر طاعة الشيطان عبادةً له، وإن لم يعترف المطيعون بمعنى العبادة فيه، كما أن عبادة الله تتمثل في السير على خط طاعته والبعد عن معصيته. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي لست مسؤولاً عنه ومسلطاً عليه، على سبيل الاستفهام الإنكاري، لأنك لا تملك من أمره شيئاً، ما دام مستقلاً في إرادته، ورافضاً للالتزام بدعوتك.