أساطير الأولين : خرافات الأمم السابقة .
تُملى عليه : تلقى عليه ليحفظها .
بُكرةً وأصيلاً : صباحا ومساء .
ثم أمعنوا في الكذِب والافتراء بأن قوماً آخرين أعانوه عليه ، كما قال تعالى : { وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } : وقالوا أيضا : إن القرآن ليس إلا خرافاتِ الأولين الماضين نَقَلَها محمّد ، قُرئت عليه صباحاً ومساء حتى يحفظها ويقولها للناس .
{ وَقَالُواْ أساطير الاولين } بعدما جعلوا الحق الذي لا محيد عنه إفكاً مختلقاً بإعانة البشر بينوا على زعمهم الفاسد كيفية الإعانة ، وتقدم الكلام في أساطير وهي خبر مبتدأ محذوف أي هذه أو هو أو هي أساطير ، وقوله تعالى : { اكتتبها } خبر ثان ، وقيل : حال بتقدير قد . وتعقب بأن عامل الحال إذا كان معنوياً لا يجوز حذفه كما في «المغني » ، وفيه أنه غير مسلم كما في شرحه ، وجوز أن يكون { أساطير } مبتدأ وجملة { اكتتبها } الخبر ومرادهم كتبها لنفسه والإسناد مجازي كما في بني الأمير المدين ، والمراد أمر بكتابتها أو يقال حقيقة اكتبت أمر بالكتابة فقد شاعر افتعل بهذا المعنى كاحتجم وافتصد إذا أمر بالحجامة والفصد ، وقيل قالوا ذلك لظنهم أنه يكتب حقيقة أو لمحض الافتراء عليه عليه الصلاة والسلام بناء على علمهم أنه لم يكن يكتب صلى الله عليه وسلم ، وقيل : مرادهم جمعها من كتب الشيء جمعه والجمهور على الأول .
وقرأ طلحة { اكتتبها } مبنياً للمفعول والأصل اكتتبها له كاتب فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كتب ثم حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض العلمي بخصوصه فبنى الفعل للمفعول وأسند للضمير فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً ، وهذا مبني على جواز إقامة المفعول الغير الصريح مقام الفاعل مع وجود الصريح وهو هنا ضمير الأساطير وهو الذي ارتضاه الرضى . وغيره ، وجمهور البصريين على عدم الجواز وتعين المفعول الصريح للإقامة فيقال عندهم : اكتتبته ، وعليه قول الفرزدق
: ومنا الذي اختير الرجال سماحة *** وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
بنصب الرجال وعلى الأول كان حق التركيب اختيره الرجال بالرفع فإن الأصل اختاره من الرجال مختار وظاهر أنه إذا عمل فيه ما تقدم يصير إلى ما ذكر { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ } أي تلقى تلك الأساطير عليه بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة فالإملاء الإلقاء للحفظ بعد الكتابة استعارة لا الإلقاء للكتابة كما هو المعروف حتى يقال : إن الظاهر العكس بأن يقال : أمليت عليه فهو يكتتبها أو المعنى أراد اكتتابها أو طلب كتابتها فامليت عليه أي عليه نفسه أو على كاتبه فالإملاء حينئذ باق على ظاهره . وقرأ طلحة . وعيسى تتلى بالتاء بدل الميم { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي دائماً أو قبل انتشار الناس وحين يأتون إلى مساكنهم وعنوا بذلك أنها تملي عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال ، وهذة جراءة عظيمة منهم قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون ، وعن الحسن أن { اكتتبها } الخ من قول الله عز وجل يكذبهم به ، وإنما يستقيم أن لو افتتحت الهمزة في { اكتتبها } للاستفهام الذي هو معنى الإنكار ، ووجه أن يكون نحو قول حضرمي بن عامر وقد خرج يتحدث في مجلس قوم وهو في حلتين له فقال جزء بن سنان بن مؤلة : والله إن حضرمياً لجذل بموت أخيه إن ورثه
: أفرح أن أرزأ الكرم وأن *** أورث زوداً شصايصا نبلا
من أبيات ، وحق للحسان على ما في «الكشاف » أن يقف على الأولين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
ذكر أن هذه الآية نزلت في النّضْر بن الحارث، وأنه المعنيّ بقوله:"وَقالُوا أساطيرُ الأوّلِينَ"... عن ابن عباس، قال: كان النّضْر بن الحارث بن كَلَدَة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قَدِم الحِيرة، تعلّم بها أحاديث ملوك فارس وأحاديث رُسْتَم وأسفنديار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا فذكّر بالله وحدّث قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلَفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قُريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدّثهم عن ملوك فارس ورسْتَم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمد أحسن حديثا مني قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثمانيَ آيات من القرآن، قوله: "وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطيرُ الأوّلينَ "وكلّ ما ذُكِر فيه الأساطير في القرآن...
فتأويل الكلام: وقال هؤلاء المشركون بالله الذين قالوا لهذا القرآن إن هذا إلاّ إفك افتراه محمد صلى الله عليه وسلم: هذا الذي جاءنا به محمد أساطير الأوّلين، يَعنُون أحاديثهم التي كانوا يُسَطّرونها في كتبهم، اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم من يهود. "فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ "يعنون بقوله: "فَهِي تُمْلَى عَلَيْهِ": فهذه الأساطير تُقرأ عليه... "بُكْرَةً وأصِيلاً" يقول: وتملَى عليه غُدْوة وعشيّا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
"وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" قد ظهر كذبهم بهذا في ما بينهم، لأنهم، ما رأوه اختلف إلى واحد منهم، يعلمه ذلك، وما رأوه كتب شيئا قط، أو يحسن الكتابة قط "وقالوا أساطير الأولين"، فإذا عرف تلك الأنباء والأحاديث التي كانت من قبل، ولا شك أنها لم تكن بلسان أولئك، دل إخباره عما في كتبهم بلسانه أنه عرف ذلك بالله.
"فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" قال أهل التأويل: غدوا وعشيا. فلو كان على ذلك لكان الكفرة يحضرونه في البكرة والعشي، فيسمعونه، ويشاهدون ما يملى عليه؛ إذ الوقت وقت الحضور، ولكن عندنا كأنهم أرادوا بالبكرة والعشي أول الليل وآخره الأوقات التي هي ليست بأوقات الحضور والجلوس؛ يقولون: يأتونه سرا، وهي تملى عليه ويتعلمها، فلو كان ذلك أيضا لكانوا يراقبونه، ويحافظونه سرا ليعرفوا ذلك ويشاهدوه، فإذا لم يفعلوا ذلك، دل أنهم كانوا يعرفون صدقه، وأنهم كذبة في زعمهم، لكنهم كابروه، وعاندوه في ذلك.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
وقوله:"اكتتبها" أي: طلب أن تكتب له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب. وقوله: "فهي تملى عليه "أي: تقرأ عليه، إذ كان لا يكتب حتى تملى عليه ليكتب.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{اكتتبها} كتبها لنفسه وأخذها...وقرئ: «اكتُتبها» على البناء للمفعول. والمعنى: اكتتبها كاتب له، لأنه كان أمّياً لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب، كقوله: {واختار موسى قَوْمَهُ}...فإن قلت: كيف قيل: اكتتبها {فَهِي تملى عَلَيْهِ} وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه. أو كتبت له وهو أمّي فهي تملى عليه: أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها: لأنّ صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب... {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي دائماً، أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
{فهي تُمْلَى عَلَيْهِ} أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، لأنه لم يكن كاتباً...
{اكتتبها} انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامرا ويسارا وجبرا، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك {فهي تملى عليه} أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقى عليه من كتابه ليحفظها...
قال الحسن قوله: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} كلام الله ذكره جوابا عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين،
وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه. أحدها: شدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه.
وثانيها: أن هذا هو المراد بقولهم: {وأعانه عليه قوم آخرون}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا).. ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأولين التي يسوقها للعبرة والعظة، وللتربية والتوجيه، فقالوا عن هذا القصص الصادق: (أساطير الأولين) وزعموا أن الرسول [صلى الله عليه وسلم] طلب أن تكتب له، لتقرأ عليه في الصباح والمساء -إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب- ثم يقولها هو بدوره، وينسبها إلى الله!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{اكتتبها}...سأل من يكتبها له...والقرينة ما هو مقرر لدى الجميع من أنه أميّ لا يكتب... {فهي تملى عليه} لأنه لو كتبها لنفسه لكان يقرأها بنفسه. فالمعنى: استنسخها. وهذا كله حكاية لكلام النضر بلفظه أو بمعناه...وتفريع الإملاء على الاكتتاب كان بالنظر إلى أن إملاءها عليه ليقرأها أو ليحفظها.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وهؤلاء الكافرون لفرط استهانتهم افتروا على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمور: أولها أنه إفك مفترى، وقد ذكره سبحانه في الآية السابقة.
والثانية أنه أساطير الأولين، وأحاديثهم المفتراة.
والثالثة أنها تملى عليه فيكتبها، أو تملى على النبي صلى الله عليه وسلم إملاء، فيحفظها.
وقبل أن ننتهي من القول في هذه الآية نقول: إن الراغب الأصفهاني في مفرداته قال: إن اكتتب تكون لكتابة ما هو مختلق لا أصل له، فتكون في كلمة اكتتب اتهام رابع بالافتراء والاختلاق...