تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

مسحورا : مغلوبا على عقله ، مخدوعا .

أو يُنزّل الله عليه كنزاً يُنفِق منه ، أو يكون له بستان يأكل منه . ثم زادوا في تعنُّتِهِم فقال الجاحدون : إنكم تتبعون رَجلا سُحِرَ فاختلّ عقلُه فهو لا يعي ما يقول .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

{ أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } تنزل عما تقدم كأنهم قالوا : إن لم توجد المخالفة بيننا وبينه في الأكل والتعيش فهلا يكون معه من يخالف فيهما يكون ردءاً له في الإنذار فإن لم توجد فهلا يخالفنا في أحدهما وهو طلب المعاش بأن يلقى إليه من السماء كنز يستظهر به ويرتفع احتياجه إلى التعيش بالكلية فإن لم يوجد فلا أقل من رفع الاحتياج في الجملة بإتيان بستان يتعيش بريعه كما للدهاقين والمياسير من الناس . والزمخشري ذكر أنهم عنوا بقولهم { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } [ الفرقان : 7 ] أنه كان يجب أن يكون ملكاً ثم نزلوا عن ملكيته إلى صحبة ملك له يعينه ثم نزلوا عن ذلك إلى كونه مرفوداً بكنز ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه ويرتزق ، قيل الجملة الأخيرة فقط تنزل منهم وما قبل استئناف جواباً عما يقال كيف يخالف حاله صلى الله عليه وسلم حالكم وبأي شيء يحصل ذلك ويتميز عنكم ؟ ولا يخفى ما فيه ونصب { يَكُونَ } على جواب التحضيض ، وقرىء { فَيَكُونُ } بالرفع حكاه أبو معاذ ، وخرج على أن يكون معطوف على { أَنَزلَ } [ الفرقان : 7 ] لأنه لو وقع موقعه المضارع لكان مرفوعاً لأنك تقول ابتداء لولا ينزل بالرفع وقد عطف عليه { يُلْقِى } و { تَكُونُ } وهما مرفوعان أو هو جواب التحضيض على إضمار هو أي فهو يكون ، ولا يجوز في مثل هذا التركيب نصب { يُلْقِى } وتكون بالعطف على يكون المنصوب لأنهما في حكم المطلوب بالتحضيض لا في حكم الجواب .

ولعل التعبير أولاً بالماضي مع أن الأصل في لولا التي للتحضيض أو العرض دخولها على المضارع لأن إنزال الملك مع قطع النظر عن أن يكون معه عليه الصلاة والسلام نذيراً أمر متحقق لم يزل مدعياً له صلى الله عليه وسلم فما أخرجوا الكلام حسبما يدعيه عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن مسلماً عندهم ، وفيه نوع تهكم منهم قاتلهم الله تعالى بخلاف الإلقاء وحصول الجنة ، ولعل في التعبير بالمضارع فيهما وإن كان هو الأصل إشارة إلى الاستمرار التجددي كأنهم طلبوا شيئاً لا ينفد . وذكر ابن هشام في «المغني » عن الهروي أنه قال بمجىء لولا للاستفهام ومثل له بمثالين أحدهما قوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } ، وتعقب ذلك بأنه معنى لم يذكره أكثر النحويين ، والظاهر أنها في المثال المذكور مثلها في قوله تعالى : { لَوْلاَ * جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } [ النور : 13 ] ، وذكر أنها في ذلك للتوبيخ والتنديم وهي حينئذ تختص بالماضي ، ولا يخفى أنه إن عنى بقوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } [ الفرقان : 7 ] ما وقع هنا فأمر كونها فيه للتوبيخ والتنديم في غاية الخفاء فتدبر ، وقرأ قتادة والأعمش { أَوْ يَكُونَ } بالياء آخر الحروف ، وقرأ زيد بن علي .

وحمزة . والكسائي وابن وثاب . وطلحة . والأعمش { نَّأْكُلَ } بالنون إسناداً للفعل إلى ضمير الكفر القائلين ماذكر { وَقَالَ الظالمون } هم القائلون الأولون وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوه لكونه إضلالاً خارجاً عن حد الضلال مع ما فيه من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهد العقل والنقل ببراءته منه أو إلى ما يصلح أن يكون متمسكاً لما يزعمون من نفي الرسالة ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد ، وقال الكاملون في الظلم منهم وأياً ما كان فالمراد أنهم قالوا للمؤمنين { إِن تَتَّبِعُونَ } أي ما تتبعون { إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فغلب على عقله فالمراد بالسحر ما به اختلال العقل ، وقيل : أصيب سحره أي رئته فاختل حاله كما يقال مرؤس أي أصيب رأسه ، وقيل : يسحر بالطعام وبالشراب أي يغذي أو ذا سحر أي رئة على أن مفعول للنسب وأرادا أنه عليه الصلاة والسلام ، بشر مثلهم ، وقيل أي ذا سحر بكسر السين وعنوا قاتلهم الله تعالى ساحراً ، والأظهر على ما في «البحر » التفسير الأول ، وذكر هو الأنسب بحالهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 7]

ذُكر أن هاتين الآيتين نزلتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء، وسألوه الآيات...

عن ابن عباس: أن قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا -يعني ما سألوه من تسيير جبالهم عنهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلاً، وما ذكره الله في سورة بني إسرائيل- فخذ لنفسك؛ سلْ ربك يبعثْ معك ملَكا يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسَلْه فيجعل لك قصورا وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعلم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بِفاعِلٍ» فأنزل الله في قولهم: أنْ خُذْ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لها: أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا، أو يبعث معه ملَكا يصدّقه بما يقول ويردّ عنه من خاصمه. "وقالُوا ما لِهَذَا الرّسُولِ يأْكُلُ الطّعامَ ويَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرا أوْ يُلْقَى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنّةٌ يأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتّبِعُونَ إلاّ رَجُلاً مَسْحُورا".

فتأويل الكلام: وقال المشركون ما لِهَذا الرّسُولِ، يَعْنون محمدا صلى الله عليه وسلم، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا، يَأكُلُ الطعَامَ كما نأكل، ويَمْشِي في أسواقنا كما نمشي. "لَوْلاَ أنْزِلَ إلَيهِ "يقول: هلا أنزل إليه ملَك إن كان صادقا من السماء، "فَيَكُونَ مَعَه" منذرا للناس، مصدّقا له على ما يقول، "أو يلقى إليه كنز" من فضة أو ذهب فلا يحتاج معه إلى التصرّف في طلب المعاش، "أوْ تكون له جنة" يقول: أو يكون له بستان "يَأكُلُ مِنْها"...

وقوله: "وَقال الظّالِمُونَ" يقول: وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله: "إنْ تَتّبِعُونَ" أيّها القوم، باتباعكم محمدا، إِلاّ رَجُلاً به سحر.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

"وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا" أي: مخدوعا، وقيل مصروفا عن الحق، وقيل: معللا بالطعام والشراب.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ثم نزلوا أيضاً فقالوا: وإن لم يكن مرفوداً بملك فليكن مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلاً له بستان يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير، أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم...

{مَّسْحُورًا} سحر فغلب على عقله. أو ذا سحر، وهو الرئة: عنوا أنه بشر لا ملك.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الإلقاء دالاًّ على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا: {إليه} أي إن لم تكن له تلك الحالة {كنز} أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه... {إن} أي ما {تتبعون} إن اتبعتم {إلا رجلاً مسحوراً} أي يتكلم بما لا يجديه، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحراً صار السحر له طبعاً، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك -صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكان من اعتراضاتهم الساذجة الجاهلة أن هذا الرسول يمشي في الأسواق ليكسب رزقه. فهلا كفاه الله ذلك، وحباه بالمال الكثير عن غير كد ولا عمل: (أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها)! والله لم يرد لرسوله [صلى الله عليه وسلم] أن يكون له كنز ولا أن تكون له جنة. لأنه أراد أن يكون قدوة كاملة لأمته؛ ينهض بتكاليف رسالته الضخمة الهائلة، وهو في الوقت ذاته يسعى لرزقه كما يسعى رجل من أمته. فلا يقولن أحد من أمته يكد لعيشه: لقد كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] مكفي الحاجة، لا يعاني صراع العيش، ومن ثم فرغ لعقيدته ورسالته وتكاليفه، فلم يعوقه عائق مما أعاني.. فها هو ذا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعمل ليعيش، ويعمل لرسالته، فلا أقل من أن ينهض كل أحد من أمته بنصيبه الصغير من تكاليف هذه الرسالة -وقدوته أمامه- ولقد انهال المال بعد ذلك على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كي تتم التجربة من جانبها الآخر وتتم القدوة. فلم يدع هذا المال يشغله أو يعطله، فكان كالريح المرسلة في جوده، حتى يستعلي على فتنة المال، ويرخص من قيمته في النفوس؛ وكي لا يقولن أحد بعد ذلك: إنما نهض محمد [صلى الله عليه وسلم] برسالته، لأنه عاش فقيرا لا يشغله من المال شاغل، فها هو ذا المال يأتيه غزيرا وفيرا، ولكنه يمضي في دعوته كذلك. شأنه يوم أن كان فقيرا.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها} (أو) للتخيير في دلائل الرسالة في وهَمهم. ومعنى {يلقى إليه كنز} أي ينزل إليه كنز من السماء، إذ كان الغنى فتنة لقلوبهم. والإلقاء: الرمي، وهو هنا مستعار للإعطاء من عند الله لأنهم يتخيلون الله تعالى في السماء... وجعلوا إعطاء جنة له علامة على النبوءة لأن وجود الجنة في مكة خارق للعادة...

{وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} الظالمون: هم المشركون، فغير عنوانهم الأول إلى عنوان الظلم وهم هم تنبيهاً على أن في هذا القول اعتداء على الرسول بنبزه بما هو بريء منه وهم يعلمون أنه ليس كذلك فظلمهم له أشد ظلم، و صلى الله عليه وسلم.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وقد نزلوا عن اشتراط أن يكون معه ملك إلى أمر آخر يمنع أن يمشي في الأسواق بأن يغنيه عن ذلك شأن الكبراء، بأن يلقي إليه، أي يعطى كنزا يغنيه، وعبّر عن إعطاء الكنز بكلمة يلقي إليه للإشارة إلى أن هذا العطاء لا يكلف من أرسله شيئا، لأنه إلقاء من خزائن الله تعالى، وقد كانوا يعرفون الله ولا يعبدونه، فيعرفون أن معه خزائن السموات والأرض، ويكون بهذا الكنز كملوك أهل الأرض فلا ينزل إلى الأسواق كما ينزل دهماء الناس والفقراء. وتنزلوا من مرتبة الملوك إلى مرتبة أتباعها وحواشيهم، الذين يمنحهم الملك الحدائق والمزارع...

{إن تَتَّبِعُونَ} إن هنا نافية، أي لا تتبعون إلا رجلا مسحورا، أي ينطق على لسانه الحق، وهذا يومئ إلى أنهم رأوا عجائب فبذل أن يقولوا إنها من عند الله قالوا: إنه مسحور ينطق على لسانه الجن والشياطين.

وفي الآية الكريمة إشارة إلى أنه كان من أهل مكة من يريدون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتبعه من اتبعه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

من مجموع الآيات أعلاه، يستفاد أنّ المشركين كانت لديهم عدّة إشكالات واهية حول الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا يتنازلون عن مقالتهم مرحلة بعد مرحلة. أوّلا: إنّه أساساً يجب أن يكون ملكاً، وهذا الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ليس ملكاً بالضرورة. ثمّ قالوا: حسن جدّاً، إن لم يكن ملكاً، فيرسل اللّه على الأقل ملكاً يرافقه ويعينه. ثمّ تنازلوا عن هذا أيضاً، فقالوا: لنفرض أن رسول الله بشر، فينبغي أن يُلقى إليه كنز من السماء، ليكون دليلا على أنه موضع اهتمام الله. وقالوا في نهاية المطاف: لنفرض أنه لم يكن له أي من تلك الميزات، فينبغي على الأقل ألا يكون إنساناً فقيراً، فليكن كأي مزارع مرفه، له بستان يضمن منه معيشته. لكنّه فاقد لكلّ هذا مع الأسف، ويقول إنّني نبيّ!؟ واستنتجوا في الختام، أنّ ادعاءه الكبير هذا، في مثل هذه الشرائط، دليلٌ على أن ليس له عقل سليم.