تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} (204)

استمعوا له : أصغوا .

أنصتوا : اسكتوا .

لما ذكّر اللهُ مزايا القرآن الكريم ، وأنه بصائر تكشف وتنير ، وهدى يرشد ويهدي ، ورحمة تغمر وتفيض ، أمر في هذه الآية بالاستماع والإنصات له ، لتدبُّرِ ما فيه من ذلك . فنوه إلى أنه :

إذا تُلي القرآن عليكم أيها المؤمنون ، فأصغوا إليه بأسماعكم ، واستجمِعوا حواسكم لتتدبروا مواعظه ، وتفوزوا برحمة ربكم .

وبعد أن جاء الأمر بهذا العلاج فيما يختص بالمعاملة ، وفيما يختص بقراءة القرآن ، يأتي الأمر والتوجيه إلى مَلاك الأمر كله وهو ذِكر الله في القلب بعظَمته وجلاله رجاءَ الثواب ، على أن يكون ذلك بهدوء واطمئنان لا إزعاج فيه ، كيما تهدأ الأعصاب ويسبح الفكر في معاني الجلال والجمال ، كما يرشد إلى أن يكون ذلك شأن المؤمن في كل وقت .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} (204)

{ وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن ، والاستماع معروف ؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى وأن تكون صلة ، أي فاستمعوه ، والإنصات السكوت يقال : نصت ينصت وأنصت وانتصت إذا سكت والاسم النصتة بالضم ، ويقال كما قال الأزهري : أنصته وأنصت له إذا سكت له واستمع لحديثه ، وجاء أنصته إذا أسكته ، والعطف للاهتمام بأمر القرآن ، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته ، والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه قرأ ، ويؤيد ذلك أخبار جمة ، فقد أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم . والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت وإذا قرىء القرآن الخ .

وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناساً يقرؤون خلفه فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } كما أمركم الله تعالى .

/ وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال : لا قراءة خلف الإمام . وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا » . وأخرج أيضاً عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان له إمام فقراءته له قراءة » وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ } [ المزمل : 20 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا صلاة إلا بقراءة » على طريقة الخصم مطلقاً فيخرج المقتدى وعلى طريقتنا أيضاً لأن ذلك العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعاً فجاز التخصيص بعده بالمقتدى بالحديث المذكور ، وكذا يحمل قوله عليه الصلاة والسلام للمسىء صلاته : «فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » على غير حالة الاقتداء جمعاً بين الأدلة ، بل قد يقال : إن القراءة ثابتة من المقتدى شرعاً فإن قراءة الإمام قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة وهو غير مشروع . بق الكلام في تصحيح الخبر ، وقد روي من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر رضيي الله تعالى عنه عنه عليه الصلاة والسلام وقد ضعف .

واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني . والبيهقي . وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين . وأبي الأحوص . وشعبة . وإسرائيل . وشريك . وجرير . وأبي الزبير . وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوه ، وقد أرسله مرة أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وحينئذٍ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل العلم فيكفينا فيما رجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضاً بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضاً ، وعلى تقدر التنزل عن حجيته فقد رفعه الإمام بسند صحيح .

وروى محمد بن الحسن في موطئه قال : أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة " وقولهم : إن الحفاظ الذن عدوهم لم يرفعوه غير صحيح . فقد قال أحمد بن منيع في مسنده : أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان . وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " . ثم قال وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر جابراً ورواه عبد بن حميد قال : حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم ، فهؤلاء سفيان . وشريك . وجرير . وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه ، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة مقبولة فكيف ولم ينفرد ، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى . وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال : حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه قرأ فجعل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما انصرف أقبل عليه الرجل قال : أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم :

" من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة " . وفي رواية لأبي حنيفة «إن ذلك كان في الظهر أو العصر » وهي أن رجلاً قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل فنهاه فلما انصرف قال : أتنهاني الحدث . نعم إن جابراً روى منه محل الحكم فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقاً في السرية والجهرية خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض ما روي في بعض روايات حديث " مالي أنازع في القرآن " أنه قال : إنه لا بد( {[299]} ) ففي الفاتحة ، وكذا ما رواه أبو داود . والترمذي عن عبادة بن الصامت قال : كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة ، فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ، قلنا : نعم هذا ، قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها ؛ ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين ، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه ، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضاً كابن عباس . وابن عمر . وزيد بن ثابت . وابن مسعود .

وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً ، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه إلا أن فيه مقالاً أنه قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ، وقال الشعبي : أدركت سبعين بدرياً كلهم يمنعون المقتد عن القراءة خلف الإمام ، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك ، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم ، وإلا ففيه نظر ، وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضاً ، وذهب قوم إلى أن المأموم يقرأ إذا أسر الإمام القراءة ولا يقرأ إذا جهر وهو قول عروة بن الزبير . والقاسم بن محمد . والزهري . ومالك . وابن المبارك . وأحمد . وإسحاق ، وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وحجتهم فما قيل : إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن والسنة تدل على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآيية على صلاة الجهر ومدلول السنة على صلاة السر جمعاً بين الدلائل ، وقال آخرون : إنما قرأ في السرية لأنه لا يقال له مستمع ، واعترض بأنه وإن سلمنا أنه لا يقال له ذلك لكن لا نسلم أنه لا يقال له منصت مع علمه بالقراءة وبأنا لا نسلم دلالة السنة على وجوب القراءة خلف الإمام ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، على أن الجزم العمل بأقوى الدليلين ، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع ، ومن هنا ضعف ما يروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل الاحتياط مخالفاً لما ذهب إليه الإمام .

وأبو يوسف من كراهة القراءة لما في ذلك من الوعيد ، والحق أن قوله كقولهما ، فقد قال في كتاب «الآثار » بعدما أسند إلى علقمة بن قيس : إنه ما قرأ قط فيما يجهر به ولا فيما لا يجهر به ، وبه نأخذ فلا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر فيه ، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها ، وذكر في موطئه نحو ذلك ، وقال السرخسي تفسد صلاة القارىء خلف الإمام في قول عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومنهم فيما قيل سعد بن أبي وقاص ، وفي رواية المزني عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يقرأ في الجهرية والسرية ، وفي رواية البويطي أنه يقرأ في السرية أم القرآن ويضم السورة في الأوليين ويقرأ في الجهرية أم القرآن فقط ، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية بل يستمع فإن بعد بأن لم سمع أو سمع صوتاً لا يميز حروفه أو كانت سرية قرأ في الأصح ، وسبب النزول لم يكن القراءة في الصلاة بل أمر آخر . فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت ، وحاصلها النهي عن التكلم لا عن القراءة ، ومن الناس من فسر القرآن بالخطبة ، والأمر بالاستماع إما للوجوب أو الندب ، وعندنا الإنصات في الخطبة فرض على تفصيل في المسألة ، وأخرج غير واحد عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الآية في الصلاة والخطبة يوم الجمعة ، وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقاً .

قال في الخلاصة : رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء ، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهراً والناس نيام يأثم ، وهذا صريح في إطلاق الوجوب ، وعلل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، و { إِذَا } هنا للكلية وغالب الشرطات القرآنية المؤداة بها كلية ، هذا والمراد من الاستماع في الآية المعنى المتبادر منه ، وقال الزجاج : المراد منه القبول والإجابة ، وهو بهذا المعنى مجاز كما نص عليه في الأساس ، ومنه سمع الله تعالى لمن حمده وسمع الأمير كلام فلان ، ورجح ذلك العلامة الطيبي قال : وهذا أوفق لتأليف النظم الكريم سابقاً ولاحقاً وأجمع للمعاني والأقوال فإنه تعالى لما ذكر تعريضاً أن المشركين إنما استهزأوا بالقرآن ونبذوه وراءهم ظهرياً لأنهم فقدوا البصائر وعدموا الهداية والرحمة وأن حالهم على خلاف المؤمنين أمر المؤمنين بما هو أزيد من مجرد الاستماع وهو قبوله والعمل بما فيه والتمسك به وأن لا يجاوزه مرتباً للحكم على تلك الأوصاف ، ولذلك قيل : إذا قرىء القرآن وضعاً للمظهر موضع المضمر لمزيد الدلالة على العلية ، يعني إذا ظهر أيها المؤمنون إنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال الهادي إلى الصراط المستقيم الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى فاستمعوه وبالغوا في الأخذ منه والعمل بما فيه ليحصل المطلوب ولعلكم ترحمون ، ويدخل في هذا وجوب الإنصات في الصلاة بطريق الأولى لأنها مقام المناجاة والاستماع من المتكلم ، وعلى هذا الإنصات عند تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم ه ، ويعلم منه أن الخطاب في الآية للمؤمنين بل هو نص في ذلك .

وقال بعضهم : إن الخطاب فيها للكفار ، وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على معانيه ومزاياه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات ، وأيد هذا بقوله سبحانه وتعالى : في آخر الآية { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بناءً على أن ذلك للترجي وإنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله تعالى : { وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 203 ] . وأجيب بأن هذه الرحمة المرجوة غير تلك الرحمة ، ولئن سلم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب فلم يبق فرق ، وفي بناء الفعل للمفعول إشارة إلى أن مدار الأمر القراءة من أي قارىء كان . وفي الآية من الدلالة على تعظيم شأن القرآن ما لا يخفى . ومن هنا قال بعض الأصحاب : يستحب لمريد قراءته خارج الصلاة أن يلبس أحسن ثيابه ويتعمم ويستقبل القبلة تعظيماً له ، ومثله في ذلك العلم ، ولو قرأ مضطجعاً فلا بأس إذ هو نوع من الذكر . وقد مدح سبحانه ذاكريه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وضم رجليه عند القراءة ولا يمدها لأنه سوء أدب ولو قرأ ماشياً أو عند النسج ونحوه من الأعمال فإن كان القلب حاضراً غير مشتغل لم يكره وإلا كره ، ولا يقرأ وهو مكشوف العورة أو كان بحضرته من هو كذلك . وإن كانت زوجته ، وكره بعضهم القراءة في الحمام والطريق . قال النووي : ومذهبنا لا تكره فيهما ، وتكره في الحش وبيت الرحى وهي تدور عند الشعبي وهو مقتضى مذهبنا ، والكلام في آداب القراءة وما ينبغي للقارىء طويل . وفي الإتقان قدر له قدر من ذلك فإن كان عندك فارجع إليه .

والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به ويحتمل أن تكون استئنافاً من جهته تعالى ، قيل : وعلى الأول فقوله سبحانه وتعالى : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذَا قرئ القرءان فاستمعوا لَهُ } أي للقرآن بآذانكم الظاهرة { وأنصتوا } بحواسكم الباطنة ، وجوز أن يكون ضمير له للرب سبحانه ، أي إذا قرىء القرآن فاستمعوا للرب جل شأنه فإنه المتكلم والمخاطب لكم به { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الأعراف : 204 ] بالسمع الحقيقي أو برحمة تجلى المتكلم في كلامه بصفاته وأفعاله


[299]:- قوله أنه لابد الخ كذا بخطه وحرر اهـ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ} (204)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

433- يحيى: عن مالك، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: (هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟) فقال رجل: نعم، يا رسول الله. فقال: (إني أقول: مالي أنازع القرآن؟) قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به المصدّقين بكتابه الذين القرآن لهم هدى ورحمة: إذَا قُرِئ عليكم أيها المؤمنون، "القُرآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ "يقول: أصغوا له سمعكم لتتفهّموا آياته وتعتبروا بمواعظه وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه. "لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ" يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آية...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} الآية أمر الله تعالى بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ. وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى من يخاطبه ويشافهه. فالله سبحانه إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه كقوله تعالى: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة} [الأعراف: 203] وكقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] وغير ذلك من الآيات، ولا سبيل أن يعرف أنه بصائر وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه. فدل أن الاستماع لازم في العقل لمن له أدنى عقل على ما ذكر من الآيات، ولكنه ذكر ههنا الاستماع إليه والله أعلم لوجهين: أحدهما: مقابل ما كانوا يقولون: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} [فصلت: 26] أمر عز وجل المؤمنين بالاستماع إليه...

ثم الاستماع إليه يكون لتفهّم ما أودع فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد وغيره، والإنصات للتعظيم له والتبجيل. ثم الاستماع له [لم] يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد وغيره ليفهموا ما فيه، ويقبلوا، ويقوموا بوفاء ذلك. وأما سائر الأذكار فإنما صارت عبادة لنفسها. لذلك لم يلزم الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن كلام الله وكتابه. ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى أخيه كتابا، لا ينظر فيه، ولا يستمع له. فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في الجفاء والاستخفاف، ولأن القرآن يجهر، وسائر الأذكار لا تجهر...

أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :

وبالجملة، لا يخفى على عاقل أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بالاستماع والإنصات، فإنما أمر به ليكون داعياً إلى ترك باطل من اللهو والهزء وأشغال الدنيا،...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَإِذَا قرئ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ} ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة. وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن. وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له. وقيل: معنى فاستمعوا له: فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}

اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله: {هذا بصائر من ربكم} أردفه بقوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: الإنصات: السكوت والاستماع...

المسألة الثانية: لا شك أن قوله: {فاستمعوا له وأنصتوا} أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبا، وللناس فيه أقوال:

القول الأول: وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق، ومعلمي الصبيان.

والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة...

والقول الثالث: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام...

والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة... وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطابا مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب؛ وتقريره: أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواما من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله أن يقول جوابا عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} فلو قلنا إن قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئا آخر سوى هذا الوجه، وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة، من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزا دالا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن: {إنه بصائر وهدى ورحمة} فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد، ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له} خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزا على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى، وجوه:

الوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز.

والوجه الثاني: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم.

ثم قال: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ولو كان المخاطبون بقوله: {فاستمعوا له وأنصتوا} هم المؤمنون لما قال: {لعلكم ترحمون} لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعا فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين؟ أما إذا قلنا: إن المخاطبين بقوله: {فاستمعوا له وأنصتوا} هم الكافرون، صح حينئذ قوله: {لعلكم ترحمون} لأن المعنى فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله: {لعلكم ترحمون} ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ «لعل» فيه. فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون} لما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة أمر باستماعه إذا شرع في قراءته وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاء إليه لأنّ ما اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغي إليه حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما عظم الله شأن القرآن، فكان التقدير: فآمنوا به تفلحوا، عطف عليه قوله: {وإذا قرئ القرآن} أي وهو هذا الذي يوحى إليّ، فتأدبوا وتواضعوا لأنه صفة ربكم {فاستمعوا له} أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم عن السمع. ولما كان بعض الفهماء يسمع وهو يتكلم، أشار إلى أن هذا الكتاب أعلى قدراً من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال: {وأنصتوا} أي للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقته فتعلموا بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارئ على كل أحد، رغب فيه تعظيماً لشأنه فقال: {لعلكم ترحمون} أي لتكونوا على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذه دلالة على الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن والحصانة من نزغ الشيطان، وهي الاستماع له إذا قرئ والإنصات مدة القراءة. والاستماع أبلغ من السمع لأنه إنما يكون بقصد ونية وتوجيه الحاسة إلى الكلام لإدراكه، والسمع ما يحصل ولو بغير قصد، والإنصات السكوت لأجل الاستماع حتى لا يكون شاغلا من الإحاطة بكل ما يقرأ. فمن استمع وأنصت كان جديرا بأن يفهم ويتدبر، وهو الذي يرجى أن يرحم. والآية تدل على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن إذا قرئ. قيل مطلقا سواء كانت القراءة في الصلاة أو خارجها، وهو مروي عن الحسن البصري وعليه أهل الظاهر، وخصه الجمهور بقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده وبقراءة الصلاة والخطبة من بعده، وزعم بعضهم أن الآية نزلت في خطبة الجمعة، وهو غلط فإن الآية مكية وصلاة الجمعة شرعت بعد الهجرة. وقال بعضهم إن الأمر للندب لا للوجوب، ولكن روي أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فحرم بنزولها الكلام فيها...

ويجب على كل مؤمن بالقرآن أن يحرص على استماعه عند قراءته كما يحرص على تلاوته، وأن يتأدب في مجلس التلاوة، وملاك هذا الأدب للقارئ أن لا يكون منه ولا من غيره ولا من حال المكان ما يعد في اعتقاده أو في عرف الناس منافيا للأدب، وقد ذكر الفقهاء في المسألة آدابا وأحكاما قد يختلف بعضها باختلاف الاعتقاد والعرف...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب اللّه يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب اللّه حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وحيثما قرئ القرآن، واستمعت له النفس وأنصتت، كان ذلك أرجى لأن تعي وتتأثر وتستجيب؛ فكان ذلك أرجى أن ترحم في الدنيا والآخرة جميعاً.. إن الناس يخسرون الخسارة التي لا يعارضها شيء بالانصراف عن هذا القرآن.. وإن الآية الواحدة لتصنع أحياناً في النفس -حين تستمع لها وتنصت- أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والتكيف والرؤية والإدراك والطمأنينة والراحة، والنقلة البعيدة في المعرفة الواعية المستنيرة.. مما لا يدركه إلا من ذاقه وعرفه! وإن العكوف على هذا القرآن -في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم!- لينشئ في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى؛ ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة؛ ومن الحرارة والحيوية والانطلاق! ومن الإيجابية والعزم والتصميم؛ ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا الخطاب شامل للكفار على وجه التبليغ، وللمسلمين على وجه الارشاد لأنهم أرجى للانتفاع بهديه لأن قبله قوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203]. ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معاً، أم أريد المسلمون تصريحاً والمشركون تعريضاً، أم أريد المشركون للاهتداء والمسلمون بالأحرى لزيادته. فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعملُ بما فيه، فالاستماع والإنصاتُ مراتب بحسب مراتب المستمعين...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

القراءة للقرآن عبادة من القارئ؛ لأنه يتلو كلام الله تعالى، وأي منزلة في القربى إلى الله تعالى أعلى من أن يكون متحدثا بحديث الله فهو يتكلم بكلام خالق الوجود، وتجري على لسانه عباراته جل وعلا، ويرطب لسانه بأطيب كلام، فهو عبادة؛ ولذلك وجب أن يكون متطهرا من الجنابة ويحسن أن يكون على طهارة كاملة. إن قراءة القرآن سمو إلى المكان الأعلى والمقدس الأقدس لمن تدبر موقفه عند القراءة ومقامه. والاستماع إلى القراءة عبادة، إذا استشعر بأن الله تعالى يخاطبه بالقرآن من أعلى الملكوت، وهو عن يستمع يناهد إلى مقام رب العزة فيستمع إليه، أكاد أرى أن هذا مقام طهر، لا يستمع إليه من به نجاسة من جنابة وإذا كان الفقهاء لم يصرحوا بهذا فإني أراه مقتضى مقام الطهر لمستمع أطهر قول في الاستماع افتعل من السماع أي طلب سماعه، والإقبال عليه، وتلقيه بقوة وتقبل معانيه؛ ولذا قال بعض المفسرين: إن الاستماع هو تدبر المعاني، والاستبصار بها، وإدراك مراميها ومغازيها، فليس المراد مجرد السماع، بل السمع في تدبر وتفهم وتذكر واعتبار. وقال تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} الإنصات معناه السكوت للاستماع والمراعاة، والإصغاء، فمعنى {أنصتوا}، أي هيئوا أنفسكم للاستماع وأعدوها وراعوا ما تسمعون، وكان الإصغاء تقدمه للاستماع، بأن يفرغ النفس له، ويقدم عليه، كأنه مقدم علمي صاحب الكلام، وهو رب العالمين، ألم تر الناس وهم يقدمون على استماع كلام عظيم من عظماء الأرض في سلطانه، يستعدون وينصتون فكيف بكلام مالك الملك ذي الجلال والإكرام والإنعام. القرآن قراءته عبادة، والاستماع إليه مع التدبر والتأمل وتعرف أسراره عبادة، وهو جزء من أكبر عبادة وهي الصلاة...