قل لهم أيها الرسول : إني لا أملِك لنفسي جَلْب نفعٍ ولا دفع ضرر إلا ما شاء الله أن يقدِّرني عليه . ولو كنت أعلم الغيبَ كما تظنون ، لاستكثرت من كلّ خير ، ولدفعتُ عن نفسي كل سوء . لكن الحقّ أني لست إلا نذيراً للناس أجمعين ، فالذين يؤمنون ينتفعون بما جئت به ، ويذعنون للحق .
فالرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل ، بشر لا يدّعي الغيب ، بل إنه مأمور أن يَكِلَ الغيب إلى الله ، فذلك من خصائص الألوهية ، أما الرسل فهم عباد مكرّمون لا يشاركون الله في صفاته ولا أفعاله ، وإنما اصطفاهم لتبليغ رسالته لعباده ، وجَعَلَهم قدوةً صالحة للناس في العمل لما جاؤوا به من هدى وفضيلة .
{ قُلْ لاَ أَمْلِك لِنَفْسِى نَفْعاً ولاَ ضراً } أي لا أملك لأجل نفسي جلب نفع مّا ولا دفع ضرر مّا .
والجار والمجرور كما قال أبو البقاء إما متعلق بأملك أو بمحذوف وقع حالا من نفعا . والمراد لا أملك ذلك في وقت من الأوقات { إِلاَّ مَا شَاء الله } أي إلا وقت مشيئته سبحانه بأن يمكنني من ذلك فإنني حينئذ أملكه بمشيئته ، فالاستثناء متصل وفيه دليل كما قال الشيخ إبراهيم الكوراني على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته ، وقيل : الاستثناء منقطع أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن ، وفيه على هذا من اظهار العجز ما لا يخفى ، والكلام مسوق لإثبات عجزه عن العلم بالساعة على أتم وجه ، وإعادة الأمر لاظهار العناية بشأن الجواب والتنبيه على استقلاله ومغايرته للأول { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب } أي الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات المصححة عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة للمدافعة والممانعة { لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } أي لحصلت كثيراً من الخير الذي نيط بترتيب الأسباب ورفع الموانع { وَمَا مَسَّني * السوء } أي السوء الذي يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه وإن كان منه ما لا مدفع له وكأن عدم مس السوء من توابع استكثار الخير في الجملة ، ولذا لم يسلك في الجملة الثانية نحو مسلك الجملة الأولى ، والاستلزام في الشرطية لا يلزم أن يكون عقلياً وكلياً بل يكفي أن يكون عاديا في البعض . وقد حكم غير واحد أنه في الآية من العادي ، وبذلك دفع الشهاب ما قيل : إن العلم بالشيء لا يلزم منه القدرة عليه ومنشؤه الغفلة عن المراد .
وحمل الخير والسوء على ما ذكر هو الذي ذهب إليه جلة المحققين . وفسر بعض الأول بالربح في التجارة والفوز بالخصب . والثاني بضد ذلك بناء على ما روي عن الكلبي أن أهل مكة قالوا ، يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري فنربح ، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى ما قد أخصب فنزلت .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأول بالربح في التجارة والثاني بالفقرة ، وقيل : الأول الجواب عن السؤال والثاني التكذيب ، وقيل : الأول الاشتغال بدعوة من سبقت له السعادة ، والثاني النصب الحاصل من دعوة من حقت عليه كلمة العذاب .
وقيل : ونسب إلى مجاهد . وابن جريج المراد من الغيب الموت ، ومن الخير الاكثار من الأعمال الصالحة ، ومن السوء ما لم يكن كذلك ، وقيل : غير ذلك ، والكل كما ترى ومنها ما لا ينبغي أن يخرج عليه التنزيل ، وقدم ذكر الخير على ذكر السوء لمناسبة ما قبل حيث قدم فيه ذكر النفع على ذكر الضر وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقي على ما قيل : فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع ، وذكر النيسابوري أن أكثر ما جاء في القرآن إذ يؤتي بالضر والنفع معا تقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد إنما يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولا ثم يعبده طمعا في ثوابه ثانياً كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :
{ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معني نفع كما في هذه السورة حيث تقدم آنفاً لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى : { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ } [ الأعراف : 178 ] الخ وفي الرعد تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه : { طَوْعًا وَكَرْهًا } وهو نفع ، وفي الفرقان تقدم العذب في قوله جل وعلا : { هذا عَذَابٌ * فُرَاتٌ } [ الفرقان : 53 ] وهو نفع ، وفي سبأ تقدم البسط في قوله تبارك اسمه : { رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } [ سبأ : 36 ] وليقس على هذا غيره ، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال ، وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى .
واستشكلت هذه الآية مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالمغيبات الجمة وكان الأمر كما أخبر ، وعد ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة والسلام ، واختلف في الجواب فقيل : المفهوم من الآية نفي علمه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك بالغيب المفيد لجلب المنافع ودفع المضار التي لا علاقة بينها وبين الأحكام والشرائع وما يعلمه صلى الله عليه وسلم من الغيوب ليس من ذلك النوع وعدم العلم به مما لا يطعن في منصبه الجليل عليه الصلاة والسلام .
وقد أخرج مسلم عن أنس . وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال : عليه الصلاة والسلام : «لو لم تفعلوا لصلح » فلم يفعلوا فخرج شيصاً فمر بهم صلى الله عليه وسلم فقال : ما لقحتم ؟ قالوا : قلت كذا وكذا قال : «أنتم أعلم بأمر دنياكم » وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذكر له أنه صار شيصا : «إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم ، وإن كان من أمر دينكم فإلى » وقد عد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأمر الدنيا كمالا في منصبه إذ الدنيا بأسرها لا شيء عند ربه .
وقيل : المراد نفي استمرار علمه عليه الصلاة والسلام الغيب ، ومجيء { كَانَ } للاستمرار شائع ، ويلاحظ الاستمرار أيضاً في الاستكثار وعدم المس . وقيل : المراد بالغيب وقت قيام الساعة لأن السؤال عنه وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلمه ولم يخبر به أصلاً ، وحينئذ يفسر الخير والسوء بما يلائم ذلك كتعليم السائلين وعدم الطعن في أمر الرسالة من الكافرين ، وقيل : أل في الغيب للاستغراق وهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم كل غيب فان من الغيب ما تفرد الله تعالى به كمعرفة كنه ذاته تبارك وتعالى وكمعرفة وقت قيام الساعة على ما تدل عليه الآية .
وفي لباب التأويل للخازن في الجواب عن ذلك أنه يحتمل أن يكون هذا القول منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والأدب ، والمعنى لا أعلم الغيب ألا أن يطلعني الله تعالى عليه ويقدره لي ، ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله تعالى على الغيب فلما اطلعه أخبر به ، أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله تعالى على أشياء من المغيبات ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم انتهى ، وفيه تأمل ؛ وكلام بعض المحققين يشير إلى ترجيح الأول .
ومعنى قوله سبحانه : { أَنَّ أَبَاكُمْ * إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } على ذلك ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة وشأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبينهما وقد كشفت من أمر الساعة ما يتعلق به الانذار من مجيئها لا محالة واقترابها وأما تعيين وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامه ادعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية ، وتقديم النذير لأن المقام مقام انذار { ياقوم * يُؤْمِنُونَ } أي يصدقون بما جئت به ، والجار اما متعلق بالوصفين جميعاً والمؤمنون ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالتبشير واما متعلق بالأخير ومتعلق الأول محذوف أي نذير للكافرين ، وحذف ليطهر اللسان منهم .
وأراد بعضهم من الكافرين المستمرين على الكفر ومن مقابلهم الذين يؤمنون في أي وقت كان وحينئذ في الآية ترغيب للكفرة في أحداث الإيمان وتحذير عن الاصرار على الكفر والطغيان .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل} لهم يا محمد: {لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا}، يقول: لا أقدر على أن أسوق إليها خيرا، ولا أدفع عنها ضرا، يعني سوءا، حين ينزل بي، فكيف أملك علم الساعة؟، ثم قال: {إلا ما شاء الله}، فيصيبني ذلك، {ولو كنت أعلم الغيب}، يعني أعلم غيب الضر والنفع إذا جاء، {لاستكثرت من الخير}، يعني من النفع، {وما مسني السوء}، يعني ما أصابني الضر، {إن أنا إلا نذير} من النار، {وبشير} بالجنة، {لقوم يؤمنون}، يعني يصدقون...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لسائليك عن الساعة أيّان مرساها:"لا أمْلِك لِنَفْسِي نَفْعا وَلا ضَرّا" يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي، ولا دفع ضرّ يحلّ بها عنها "إلاّ ما شاء الله "أن أملكه من ذلك بأن يقوّيني عليه ويعينني. "وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ" يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد "لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ" يقول: لأعددت الكثير من الخير.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الخير الذي عناه الله بقوله: "لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ" فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح... قال ابن جريج:..."لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ" قال: أعلم الغيب متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح...
وقال آخرون: معنى ذلك: ولو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنّة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرخص، واستعددت له في الرخص.
وقوله: "وَما مَسّنِيَ السّوءُ" يقول: وما مسني الضرّ. "إنْ أنا إلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ" يقول: ما أنا إلاّ رسول الله أرسلني إليكم، أنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره، وأبشر بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. قوله: "لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" يقول: يصدّقون بأني لله رسول، ويقرّون بحقية ما جئتهم به من عنده.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
"وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" فيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: ما بي جنون كما زعم المشركون، قاله الحسن...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يقول للمكلفين إني "لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله "أن يملكني إياه، فمشيئته تعالى في الآية واقعة على تمليك النفع والضر لا على النفع والضر...
ومعنى الآية: إني أملك ما يملكني الله من الأموال وما أشبهها مما يملكهم ويمكنهم من التصرف فيها على ما شاءوا، وكيف شاءوا. والضر الذي ملكهم الله إياه هو ما مكنهم منه من الإضرار بأنفسهم وغيرهم، ومن لم يملكه الله شيئا منه لم يملكه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أَمَره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومنتَّهِ، وأن قيامه وأمرَه ونظامَه بطوْل ربِّه ومتِّه؛ ولذلك تتجنَّسُ عليَّ الأحوال، وتختلف الأطوار؛ فَمِنْ عُسْرٍ يَمَسُّني، ومِنْ يسرٍ يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بِيدِ غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي} هو إظهار للعبودية والانتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب: أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر كما المماليك والعبيد {إِلاَّ مَا شَاء} ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب} لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، من استكثار الخير، واستغزار المنافع، واجتناب السوء والمضارّ، حتى لا يمسني شيء منها... {إِنْ أَنَا إِلاَّ} عبد أرسلت نذيراً وبشيراً، وما من شأني أني أعلم الغيب {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يجوز أن يتعلق بالنذير والبشير جميعاً، لأن النذارة والبشارة إنما تنفعان فيهم. أو يتعلق بالتبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير محذوفاً أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أمره الله تعالى أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. [إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا]} [الجن: 26، 27]
وقوله: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد. {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} قال: لو كنت أعلم متى أموت، لعملت عملا صالحا.
وكذلك روى ابن أبي نجِيح عن مجاهد: وقال مثله ابن جُرَيْج.
وفيه نظر؛ لأن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دَيمة. وفي رواية: كان إذا عمل عملا أثبته 4 فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله، عز وجل، في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المرادُ أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم.
والأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} أي: من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما 5 أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، وما مسني السوء، قال: ولا يصيبني الفقر...
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته.
ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي: نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97]
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان علم الغيب ملزوماً لجلب الخير ودفع الضير، وكانت الساعة أدق علم الغيب، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص، وقدم النفع لأنه أهم إلى النفس، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة يونس عليه السلام، فقال آمراً بإظهار ذل العبودية: {قل لا أملك} أي في وقت من الأوقات أصلاً {لنفسي نفعاً} أي شيئاً من جلب النفع قليلاً ولا كثيراً {ولا ضراً} كذلك، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذه الآية من أعظم أصول الدين وقواعد عقائده ببيانها لحقيقة الرسالة والفصل بينها وبين الربوبية والألوهية، وهدمها لقواعد الشرك ومباني الوثنية من أساسها.
ومناسبتها لما قبلها أن الله تعالى أمر خاتم رسله فيما قبلها أن يجيب السائلين له عن الساعة بأن علمها عند الله تعالى وحده وأمرها بيده وحده- وأمره في هذه أن يبين للناس أن كل الأمور بيد الله تعالى وحده، وأن علم الغيب كله عنده، وأن ينفي كلا منهما عن نفسه صلى الله عليه وسلم وذلك أن الذين كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن الساعة من المسلمين كانوا يظنون أن منصب الرسالة قد يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب وربما كان يظن بعض حديثي العهد بالإسلام أن الرسول قد يقدر على ما لا يصل إليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه وعمن يحب أن يشاء، أو منع النفع وإحداث الضر بمن يكره أو بمن يشاء. فأمره الله تعالى أن يبين للناس أن منصب الرسالة لا يقتضي ذلك، وإنما وظيفة الرسول التعليم والإرشاد، لا الخلق والإيجاد، وأنه لا يعلم من الغيب إلا ما يتعلق بذلك مما علمه الله بوحيه، وأنه فيما عدا تبليغ الوحي عن الله تعالى كسائر الناس {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ} [الكهف: 110] قال عز وجل:
{قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} أي قل أيها الرسول للناس فيما تبلغه من أمر دينهم إنني لا أملك لنفسي – أي ولا لغيري بالأولى- جلب نفع ما في وقت ما، ولا دفع ضرر ما في وقت ما، فوقوع كلمتي النفع والضر نكرتين منفيتين يفيد العموم حسب القاعدة المعروفة، ونفي عموم الفعل يقتضي نفي عموم الأوقات له. ولكن هذا العموم مشكل بما هو معلوم بالضرورة من تمكن كل إنسان سليم الأعضاء من نفع نفسه وغيره في بعض الأمور الكسبية ودفع بعض الضرر عنهما: ولذلك حرمت الشريعة الضرر والضرار.
ويجاب عن هذا الإشكال من وجهين: أحدهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا مستقلا بقدرته وإنما يملك ما يملكه من ذلك بتمليك الرب الخالق جلت قدرته وهو المراد بالاستثناء أي لا أملك منهما {إلا ما شاء الله} من نفع أقدرني على جلبه وضر أقدرني على منعه وسخر لي أسبابهما، أو إلا وقت مشيئته سبحانه أن يمكنني من ذلك. فالمعنى المراد على هذا هو بيان عجز المخلوق الذاتي وكون كل شيء أوتيه فهو بمشيئة الله تعالى لا يستقل العبد بشيء منه استقلالا مطلقا ولا هو يملكه بذاته لذاته، بل بمشيئة الله تعالى، فالاستثناء على هذا متصل بما قبله مخصص لعمومه مقيد لإطلاقه.
الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك بمقتضى منصب الرسالة نفعا ولا ضرا لنفسه بمنطوق الجملة ولا لغيره بمفهومها الأولى، مما يعجز عنه غيره بمقتضى بشريته وما أقدره الله تعالى عليه بمقتضى سنته في عالم الأسباب والمسببات، كما أنه لا يملك شيئا من علم الغيب الذي هو شأن الخالق دون المخلوق كما يأتي بيانه في تفسير الجملة التالية. والاستثناء على هذا منفصل عما قبله مؤكد لعمومه، أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كان، فهو كقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} [الأعلى: 6، 7] وقوله حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80] وقوله في خطاب كليمه موسى عليه السلام {إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء} [النمل: 10، 11] الآية.
وهذا الوجه المختار عندنا، لأن الناس قد فتنوا منذ قوم نوح بمن اصطفاهم الله ووفقهم لطاعته وولايته من الأنبياء ومن دون الأنبياء من الصالحين، فجعلوهم شركاء الله تعالى فيما يرجوه عباده من نفع يسوقه إليهم، وما يخشونه من شر يمسهم فيدعونه ليكشفه عنهم، وصاروا يدعونهم كما يدعونه لذلك إما استقلالا، وإما إشراكا، إذ منهم من يظن أنه تعالى قد أعطاهم القدرة على التصرف في خلقه بما هو فوق الأسباب التي منحها الله تعالى لسائر الناس فصاروا يستقلون بالنفع والضر منحا ومنعا، وإيجابا وسلبا، ومنهم من يعتقد أن التصرف الغيبي الأعلى الذي هو فوق الأسباب الكسبية الممنوحة للبشر خاص بربهم لا يقدر عليه غيره ولكنهم يظنون مع هذا أن هؤلاء الأنبياء والأولياء عند الله تعالى كوزراء الملوك وحجابهم وبطانتهم، وسطاء بينهم وبين من لم يصل إلى رتبتهم، فالملك المستبد بسلطانه يعطي هذا ويعفو عن ذنب هذا بوساطة هؤلاء الوزراء والحجاب المقربين عنده، وكذلك رب العالمين يعطي ويمنع ويغفر ويرحم وينتقم بوساطة أنبيائه وأوليائه بزعمهم، فهم شفعاء للناس عنده تعالى يقربونهم إليه زلفى كما حكاه التنزيل عن المشركين، وبيناه في مواضع من هذا التفسير.
وفي مثل هذا التشبيه الوثني وتمثيل تصرف الرب العظيم الغني عن عباده بتصرف الملوك المستبدين الجاهلين الذين يحتاجون إلى وزرائهم وبطانتهم في حمله على ما ينبغي له فيهم- قال تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] وبين في هذه الآية وأمثالها أن رسل الله تعالى وهم صفوة خلقه لا يشاركون الله تعالى في صفة من صفاته، ولا تأثير لأحد منهم في علمه ولا في مشيئته، لأنها كاملة أزلية لا يطرأ عليها تغير، وأن الرسالة التي اختصهم الله تعالى بها لا يدخل في معناها إقدارهم على النفع والضر بسلطان فوق الأسباب المسخرة لسائر البشر ولا منحهم علم الغيب وإنما هي تبليغ وحي الله تعالى وبيانه للناس بالقول والفعل والحكم.
ودليلنا على اختيار هذا الوجه أن مدار العبودية على توجه العباد إلى المعبود فيما يرجون من نفع ويخافون من ضر، فاستعمل اللفظان في التنزيل في بيان أن الرب المستحق للعبادة هو من يملك الضر والنفع، غير خاضع ولا مقيد بالأسباب العادية، كقوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} [المائدة: 76] وقوله في عجل بني إسرائيل {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 89] وقوله: {قل فمن يملك لكم من اللّه شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا} [الفتح: 11] وقوله: {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دون الله أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} [الرعد: 16] وقوله: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا} [الفرقان: 3] الآية.
فلما كان ملك الضر والنفع بهذا الإطلاق خاصا برب العباد وخالقهم، وكان طلب النفع أو كشف الضر عبادة لا يجوز أن يوجه إلى غيره من عباده مهما يكن فضله تعالى عظيما عليهم- أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصرح بالبلاغ عنه أنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، وقد تكرر هذا الأمر له في القرآن مبالغة في تقريره وتوكيده فقال تعالى في سورة يونس: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} [يونس: 49] وقال في سورة الجن: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: 20] وهذه الآية أبلغ وأشمل مما في معناها بما فيها من إيجاز واحتباك بحذف ما يقابل الضر والرشد المذكورين وهما ضدهما بدلالتهما عليهما والتقدير: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا رشدا ولا غواية – فهذه الآيات بمعنى ما هنا تؤيد اختيارنا.
ثم أمره تعالى أن ينفي عن نفسه علم الغيب مستدلا عليه بانتفاء أظهر منافعه القريبة فقال: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} الخير ما يرغب الناس فيه من المنافع المادية والمعنوية كالمال والعلم، والسوء ما يرغبون عنه مما يسوءهم ويضرهم، ويراد بهما هنا الجنس الذي يصدق ببعض أفراده وهو الخير الذي يمكن تداركه وتحصيله، والسوء الذي يمكن الاستعداد لدفعه بعلم ما يأتي به الغد. والجملة استدلال على نفي علم النبي صلى الله عليه وسلم الغيب كأنه يقول لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب- وأقربه ما يقع في مستقبل أيامي في الدنيا- لاستكثرت من الخير كالمال وأعمال البر التي تتوقف على معرفة ما يكون في المستقبل من عسرة وغلاء مثلا وتغير الأحوال، ولما مسني السوء الذي يمكن الاحتياط لدفعه بعلم الغيب كشدة الحاجة مثلا، ومن أمثلته في العبادة قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت) رواه الشيخان وغيرهما، يعني لو أنه علم صلى الله عليه وسلم ما يحصل من انفراده دون أصحابه بسوقه الهدي إلى الحرم من مشقة فسخهم الحج إلى عمرة دونه، إذ لا يباح الفسخ والتحلل بالعمرة لمن معه الهدي، لما ساق الهدي ليوافق الجمهور في تمتعهم بالعمرة إلى الحج. ومن أمثلته في الإدارة وسياسة الحرب ما عاتبه الله تعالى عليه من الإعراض عن الأعمى والتصدي للأغنياء، ومن أخذ الفداء من أسرى بدر، ومن الإذن بتخلف المنافقين في غزوة تبوك سنة العسرة، ولم أر أحدا نبه على هذا النوع من المفسرين.
وفيه وجه آخر أنه مستأنف غير معطوف على ما قبله، ومعناه وما مسني الجنون كما زعم الجاهلون، فيكون حاصل معنى الآية نفي رفعه إلى رتبة الربوبية الذي افتتن بمثله الغلاة، ونفي وضعه في أدنى مرتبة البشرية الذي زعمته الغواة العتاة. وبيان حقيقة أمره، وما رفع الله تعالى من قدره، بجعله فوق جميع البشر بوحيه، ووساطته بينه وبين خلقه، لكن في التبليغ والإرشاد، لا في الخلق والإيجاد، ولا في التدبير بأمور العباد، فإن هذا شأن الربوبية، وإنما هو صلوات الله عليه وسلامه في أعلى مقام العبودية...
هذا وإننا قد بينا في تفسير {قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتّبع إلا ما يوحى إليّ} [الأنعام: 50] أن الغيب قسمان: حقيقي لا يعلمه إلا الله تعالى وإضافي يعلمه بعض الخلق دون بعض، وأن هذه الآية تنفي قدرة الرسول على التصرف في خلق الله تعالى بما هو فوق كسب البشر، وتنفي عنه علم الغيب بهذا المعنى، إلا ما أعلمه الله تعالى به وبوحيه لتعلقه بوظيفة الرسالة كالملائكة والحساب والثواب والعقاب، وأن ما يطلع الله عليه الرسل من ذلك لا يكون من علمهم الكسبي، بل يدخل في معنى الإجماع على أن النبوة غير مكتسبة. وأوردنا هنالك قوله تعالى في ذلك من سورة الجن: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} إلى قوله {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} الآية. واستطردنا إلى تفنيد ما يدعيه بعض مشايخ طرق الصوفية أو يدعى لهم من علم الغيب والتصرف في ملك الله أحياء وأمواتا بما أغنى عن إعادته هنا، ثم أطلنا البحث في علم الغيب في تفسير {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59] الآية، وتكلمنا فيه عن الكشف وغير ذلك من معرفة بعض الأمور المستقبلة المتعلقة بمسألة الغيب الإضافي، أو التي لا يصح أن تسمى غيبا لأن لها أسبابا فطرية –وفي الكلام على أشراط الساعة الذي مر بك قريبا بحث فيما أطلع عليه رسوله بما دون الوحي من بعض الحوادث المستقبلة كتمثل الأشياء له مثلا متفاوتا في الوضوح، وهو لا يعارض هذه الآية كما علمت.
{إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} هذا بيان مستأنف لتعليل ما تقدم من نفي امتيازه صلى الله عليه وسلم على البشر بملك النفع والضر من غير طرق الأسباب وسنن الله في الخلق- ونفي امتيازه عليهم بعلم الغيب، عللهما ببيان حصر امتيازه عليهم بالتبليغ عن الله عز وجل، والتبليغ قسمان: قسم مقترن بالتخويف من العقاب على الكفر والمعاصي وهو الإنذار، وقسم مقترن بالترغيب في الثواب على الإيمان والطاعة وهو البشارة أو التبشير. وكل منهما يوجه إلى جميع أمة الدعوة على الإطلاق والآيات فيه كثيرة، ويوجه أيضا إلى من يؤمن وإلى من يصر على كفره وإجرامه مطلقا، وإذا ذكر الفريقان جميعا في سياق واحد يخص الكافرون بالإنذار والمؤمنون الصالحون بالتبشير، وقد ذكر في أول سورة الكهف الإنذار المطلق بالقرآن ثم تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وإنذار متخذي الولد لله تعالى من الكافرين. ومن المقابلة بين الفريقين قوله تعالى: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97] وفي معناهما آيات أخرى في المقابلة كما ترى في أوائل سورتي البقرة والإسراء، ولكن بدون ذكر لفظ الإنذار. والتبشير لا يوجه إلى الكافرين والمجرمين بلقبهم إلا بأسلوب التهكم كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] على القول المشهور الذي عليه الجمهور، وأما الإنذار فقد يوجه إلى المؤمنين المتقين على معنى أنهم هم الذين ينتفعون به كقوله في سورة فاطر: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة} [فاطر: 18] وقوله في سورة يس: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 11].
بناء على هذا قال بعض المفسرين إن قوله تعالى: {لقوم يؤمنون} متعلق بالوصفين على معنى أن المؤمنين هم الذين ينتفعون بإنذاره فيزيدهم خشية لله واتقاء لما يسخطه، وبتبشيره فيزدادون شكرا له بعبادته وإقامة سننه. وقال بعضهم إنه متعلق بالثاني المتصل به ويدل على حذف مقابله فيما قبله. والتقدير: ما أنا إلا نذير للكافرين وبشير للمؤمنين، ووجهه أن المقام مقام التبليغ، وهنالك وجه ثالث وهو أن البشارة للمؤمنين خاصة لاتصالها بهم، والإنذار عام لهم ولغيرهم، وقد عرف وجهه مما فصلناه.
وقد ورد في مثل هذا من حصر وظيفة الرسول بالإنذار والتبشير بلفظيهما معا أو بأحدهما وبلفظ التبليغ الجامع لهما آيات كثيرة بعضها بالإثبات بعد النفي كما هنا وبعضها بإنما، والحصر بكل منهما أقوى النصوص القطعية الدلالة، ومع هذا التكرار والتوكيد كله يأبى غلاة الإطراء للرسل ولمن دون الرسل من الصالحين حقيقة أو توهما إلا أن يشركوهم مع الله سبحانه وتعالى في صفات ربوبيته وأفعاله، قال تعالى في سورة سبأ: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سبأ: 28] وقال في سورتي الإسراء والفرقان: {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} [الإسراء: 105] وقال في سورتي الأنعام والكهف: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} [الأنعام: 48] وقال في سورة النحل: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] وفي سورة يس حكاية عن الرسل {وما علينا إلا البلاغ المبين} [يس: 17] وفي سورتي النور والعنكبوت {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [العنكبوت: 18].
فإن قيل: إن الحصر في هذه الآيات وأمثالها إضافي فإن من وظائف الرسل بيان الوحي والحكم بين الناس كما قال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] وقال عز وجل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] والبيان يكون بالأفعال كالأقوال بل الأفعال أقوى دلالة وأعصى على تأويل المحرفين. وكما قد أمر تعالى بتحكيم رسوله صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه، أمر بالتأسي به في هديه وسنته {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21].
قلنا: إن هذا لا ينافي الحصر الحقيقي لأن التبليغ لدين الله وشرعه لا يتم إلا بالعمل والحكم به وتنفيذ أحكامه فهو داخل في التبليغ وبيان الوحي.
وجملة القول إن الرسل عليهم الصلاة والسلام عبيد لله تعالى مكرمون، لا يشاركونه في صفاته ولا في أفعاله، ولا سلطان لهم على التأثير في عمله ولا في تدبيره، وهم بشر كسائر الناس لا يمتازون على البشر في خلقهم وصفاتهم وغرائزهم، وإنما يمتازون باختصاص الله تعالى إياهم بوحيه، واصطفائهم لتبليغ رسالاته لعباده، وبما زكاهم وعصمهم فأهلهم لأن يكونوا أسوة حسنة وقدوة صالحة للناس في العمل بما جاءوا به عن الله تعالى من الصلاح والتقوى ومكارم الخلاق.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق، من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمداً رسول الله وحبيبه ومصطفاه -عليه صلوات الله وسلامه- فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحدد وظيفته:... والرسول [صلى الله عليه و سلم] نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين (يؤمنون) هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به. ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين.. إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره، إلا لقوم يؤمنون...