ثم يختم ذلك بتقرير لطيف في شأن الجزاء ، للمؤمنين وغيرهم على السواء ، فيقول : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } .
أي أن لكل عامل خيرٍ أو شرِ درجاته من جزاء ما يعمله . . . إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، والله تعالى غير غافل عما يعملون ، بل إن عملهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
{ وَلِكُلٍّ } منهم { دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } بحسب أعمالهم ، لا يجعل قليل الشر منهم ككثيره ، ولا التابع كالمتبوع ، ولا المرءوس كالرئيس ، كما أن أهل الثواب والجنة وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول الجنة ، فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله ، مع أنهم كلهم ، قد رضوا بما آتاهم مولاهم ، وقنعوا بما حباهم .
فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى ، التي أعدها الله للمقربين من عباده ، والمصطفين من خلقه ، وأهل الصفوة من أهل وداده .
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيجازي كلا بحسب علمه ، وبما يعلمه من مقصده ، وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة ، ونهاهم عن الأعمال السيئة ، رحمة بهم ، وقصدا لمصالحهم . وإلا فهو الغني بذاته ، عن جميع مخلوقاته ، فلا تنفعه طاعة الطائعين ، كما لا تضره معصية العاصين .
ولما بيّن سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام ، والآخر دار الملام ، قال جامعاً للفريقين عاطفاً على قوله { لهم دار السلام عند ربهم }[ الأنعام : 127 ] : { ولكل } أي عامل{[31276]} من الفريقين صالح أو{[31277]} طالح في قبيلي الجن والإنس{[31278]} في الدارين { درجات } أي يعليهم الله بها { مما } أي من أجل ما{[31279]} { عملوا } ودركات يهويهم فيها كذلك .
ولما تقدم أنه تعالى{[31280]} لا يهلك المجرمين إلاّ بعد الإعذار إليهم ، وتضمن{[31281]} ذلك إمهالهم ، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها ، نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت{[31282]} له ذلك{[31283]} إحاطة{[31284]} العلم بجميع أعمالهم فقال : { وما ربك } أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك ، وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال : { بغافل عما يعملون{[31285]} * } أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين ، بل هو{[31286]} عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه ، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له ، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن{[31287]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.