قوله تعالى : " والله أنزل من السماء " ، أي : السحاب . " ماء فأحيا به الأرض بعد موتها " ، عاد الكلام إلى تعداد النعم وبيان كمال القدرة . " إن في ذلك لآية " ، أي : دلالة على البعث على وحدانيته ؛ إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئا ، فتكون هذه الدلالة " لقوم يسمعون " ، عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان ، " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{[9919]} " [ الحج : 46 ] .
ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به ، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم ، بعد موتها بالكفر والجهل ، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة : الإلهيات ، والنبوات ، والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار ، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات ، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار ، المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ؛ ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار ، وأجلى من ضياء النهار ، فعطف على قوله : { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } ، قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي : { والله } ، أي : الذي له الأمر كله ، { أنزل من السماء } ، في الوقت الذي يريده ، { ماء } ، بالمطر والثلج والبرد ، { فأحيا به الأرض } الغبراء . ولما كانت عادته بذلك مستمرة ، وكان السياق لإثبات دعائم الدين ، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائماً في زرع أو شجر في بعض الأراضي ، أعرى الظرف من الجار ؛ لأن المعنى به أبلغ فقال : { بعد موتها } ، باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلاً ورأساً .
ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع ، قال تعالى : { إن في ذلك } ، الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ، { لآية لقوم يسمعون * } ، هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه ، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده ، فيحيي به أجساد العباد بعد موتها ، كما أحيا أجساد النبات بالماء بعد موتها ، وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها ، والحاصل أن هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق ، وترك العناد والجهل ، فهو من سماع الأذن ، وما ينشأ عنه من الإجابة ، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه ، ولعله لم يختمها ب " يبصرون " لئلا يظن أن ذلك من البصيرة ، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر ، فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح .
قوله : ( والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) ، وهذه من الدلائل على عظمة الخالق الذي أوجد كل شيء وأتقنه إتقانا ؛ فقد أنزل الله بقدرته وإرادته المطر من السماء غيثا مغيثا طبقا ؛ ليثير في الأرض النماء والبركة ، وتنبعث في الناس ظواهر الخير والاستمتاع ، وراغد الحياة وطيب العيش . وذلك هو مقتضى قوله : ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) ، وموت الأرض كناية عن جفافها ويبسها ؛ فهي حال كونها يبسا غير ذات نبات ولا اخضرار كأنما هي ميتة ، حتى إذا أصابها ماء السماء انقلبت حية عامرة يعمها الخصب والنضرة والاخضرار . وذلك في ذاته حدث كوني كبير ، لا يتحقق إلا بإرادة الله الخالق القادر . وهو دليل واضح ( لقوم يسمعون ) ، أي : يسمعون سماع استبصار وتدبر ؛ ليجدوا في إحياء الأرض الميتة بالمطر دليلا واضحا ومثيرا على أن الله حق . أما الذين يسمعون سماع الذاهلين الغافلين ، أو سماع الماكرين المخادعين المتربصين ؛ فإنهم سادرون في الضلال والعمى والجحد ؛ فلا ينفعهم سماعهم ، ولا يغنيهم ما يجدونه من مختلف الأدلة والبراهين{[2556]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.