قوله تعالى : " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا " ، جعل بمعنى : خلق ، " من أنفسكم أزواجا " ، يعني : آدم خلق منه حواء . وقيل : المعنى : جعل لكم من أنفسكم ، أي : من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم ، كما قال : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم{[9969]} " [ التوبة : 128 ] ، أي من الآدميين . وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوَّج الجن وتباضعها ، حتى روي أن عمرو بن هند{[9970]} تزوج منهم غولا ، وكان يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر ، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة{[9971]} ، فقالت : عمرو ونفرت ، فلم يرها أبدا . وهذا من أكاذيبها ، وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته ، فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن ويحيلون طعامهم . " أزواجا " ، زوج الرجل هي ثانيته ، فإنه فرد ، فإذا انضافت إليه كانا زوجين ، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها ؛ لأنه أصلها في الوجود كما تقدم .
قوله تعالى :{ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ، فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " وجعل لكم من أزواجكم بنين " ، ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء ، ووجود الأبناء يكون منهما معا ، ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها ، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية . قال ابن العربي : سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول : إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية ؛ لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة ، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها . كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة ، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل ، بإجماع من الأمة ؛ لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها .
الثانية : قوله تعالى : " وحفدة " ، روى ابن القاسم عن مالك ، قال وسألته عن قوله تعالى : " بنين وحفدة " ، قال : الحفدة : الخدم والأعوان في رأيي . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : " وحفدة " ، قال هم الأعوان ، من أعانك فقد حفدك . قيل له : فهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، وتقول أو ما سمعت قول الشاعر :
حَفَد الولائدُ حولهن وأسلمت *** بأكفهن أزِمَّةَ الأَجْمَالِ
أي : أسرعن الخدمة . والولائد : الخدم ، الواحدة وليدة ، قال الأعشى :
كلفتُ مجهولَها نوقًا يمانيَة *** إذا الحُدَاةُ على أكسائها حَفَدُوا{[9972]}
أي : أسرعوا . وقال ابن عرفة : الحفدة : عند العرب الأعوان ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع ، فهو : حافد ، قال : ومنه قولهم إليك نسعى ونحفد ، والحفدان : السرعة . قال أبو عبيد : الحفد : العمل والخدمة . وقال الخليل بن أحمد : الحفدة : عند العرب الخدم ، وقاله مجاهد . وقال الأزهري : قيل : الحفدة : أولاد الأولاد . وروي عن ابن عباس . وقيل : الأختان ، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحاك وسعيد بن جبير وإبراهيم ؛ ومنه قول الشاعر{[9973]} :
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت *** لها حَفَدٌ ما يُعَدُّ كثيرُ
ولكنها نفسٌ عليّ أبيَّةٌ *** عَيُوفٌ لإصهار{[9974]} اللئام قذورُ
وروى زر عن عبدالله قال : الحفدة : الأصهار ، وقاله إبراهيم ، والمعنى متقارب . قال الأصمعي : الختن : من كان من قبل المرأة ، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما ، والأصهار منها جميعا . يقال : أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر . وقول عبد الله هم الأختان ، يحتمل المعنيين جميعا . يحتمل : أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها ، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن ، فيكون لكم بسببهن أختان . وقال عكرمة : الحفدة : من نفع الرجال من ولده ، وأصله : من حفد يحفد - بفتح العين في الماضي ، وكسرها في المستقبل - إذا أسرع في سيره ، كما قال كثير{[9975]} :
حَفد الولائد بينهن . . . البيت
ويقال : حفدت وأحفدت ، لغتان إذا خدمت . ويقال : حافد وحفد ، مثل خادم وخدم ، وحافد وحفدة ، مثل كافر وكفرة . قال المهدوي : ومن جعل الحفدة الخدم ، جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم ، كأنه قال : جعل لكم حفدة ، وجعل لكم من أزواجكم بنين .
قلت : ما قال الأزهري : من أن الحفدة أولاد الأولاد ، هو ظاهر القرآن بل نصه ، ألا ترى أنه قال : " وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " ، فجعل الحفدة والبنين منهن . وقال ابن العربي : الأظهر عندي في قوله : " بنين وحفدة " ، أن البنين أولاد الرجل لصلبه ، والحفدة أولاد ولده ، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا ، ويكون تقدير الآية على هذا : وجعل لكم من أزواجكم بنين ، ومن البنين حفدة . وقال معناه الحسن .
الثالثة : إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة ، في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان ، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان ، قاله ابن العربي . روى البخاري وغيره ، عن سهل بن سعد ، أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه ، فكانت امرأته خادمهم . . . الحديث ، وقد تقدم في سورة " هود " {[9976]} . وفي الصحيح عن عائشة قالت : أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي . الحديث . ولهذا قال علماؤنا : عليها أن تفرش الفراش ، وتطبخ القدر ، وتقم الدار ، بحسب حالها وعادة مثلها ، قال الله تعالى : " وجعل منها زوجها ليسكن إليها{[9977]} " [ الأعراف : 189 ] ، فكأنه جمع لنا فيها السكن ، والاستمتاع ، وضربا من الخدمة ، بحسب جري العادة .
الرابعة : ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها ، لما روته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج . وهذا قول مالك : ويعينها . وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف النعل ، ويقم البيت ، ويخيط الثوب . وقالت عائشة ، وقد قيل لها : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت : كان بشرا من البشر يفلي{[9978]} ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه .
الخامسة : وينفق على خادمة واحدة ، وقيل على أكثر ، على قدر الثروة والمنزلة . وهذا أمر دائر على العرف ، الذي هو أصل من أصول الشريعة ، فإن نساء الأعراب ، وسكان البوادي ، يخدمن أزواجهن في استعذاب الماء وسياسة الدواب ، ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها ، وأما أهل الثروة فيخدمون{[9979]} أزواجهن ، ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك ، فإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك ، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها ، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه .
قوله تعالى : " ورزقكم من الطيبات " ، أي : من الثمار والحبوب والحيوان . " أفبالباطل " ، يعني : الأصنام ، قاله ابن عباس . " يؤمنون " ، قراءة الجمهور بالياء . وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء . " وبنعمة الله " ، أي : بالإسلام . " هم يكفرون " .
ولما ذكر الخلق والرزق ، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما ، اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له تمام القدرة وكمال العلم ، { جعل لكم } ، ولما كان الأزواج من الجنس ، قال : { من أنفسكم } ؛ لأن الشيء آلف لنوعه ، وأقرب إلى جنسه ، { أزواجاً } ، أي : تتوالدون بها ، ويحبون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم ، { وجعل لكم } ، أي : أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره ! { من أزواجكم بنين } ، ولعله قدمهم للشرف ؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال : { وحفدة } ، أي : من البنات ، والبنين ، وأولادهم ، والأصهار ، والأختان ، جمع حافد ، يخفّون في أعمالكم ، ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة ، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين ، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان ، وهو الصواب ؛ لأن مادة حفد ، تدور على الإسراع والخفة .
حفد : خفّ في العمل وأسرع ، والحفد - محركة الخدم - لخفتهم ، ومشي دون الخبب ، والحفدة : البنات ، وأولاد الأولاد ، أو الأصهار - لذلك ، وصناع الوشي - لإسراعهم فيه ، وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس ، والمحفد - كمجلس ومنبر : شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه ، وكمنبر : طرف الثوب لإسراع حركته ، وقدح يكال به - لخفته ، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه ، وسيف محتفد : سريع القطع ، وأحفده : حمله على الإسراع ، والفادحة : النازلة ، وفوادح الدهر - خطوبه - ؛ لإسراعها بالمكروه ، وإسراع المنزول به ، ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها ، ومن ذلك فدحه الأمر : أثقله - ؛ لأن المكروه يسرع فيثقل ، فيكثر اضطراب المنزول به .
ولما ذكر ذلك سبحانه ، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به ، فقال تعالى : { ورزقكم } ، أي : لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم ؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة ، بعّض فقال : { من الطيبات } ، بجعله ملائماً للطباع ، شهياً للأرواح ، نافعاً للإشباع ، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال ، هو المختص بالجلال ، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال ، فكيف بمن أنكر خيره ، وعبد غيره ، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود ، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب : { أفبالباطل } ، أي : من الأصنام ، وما جعلوا لهم من النصيب ، { يؤمنون } ، أي : على سبيل التجديد والاستمرار ، { وبنعمت الله } ، أي : الملك الأعظم ، { هم } ، وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له : { يكفرون } ، حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة ، والوصيلة ، والحامي ، وغيرها لأصنامهم ، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه ، ومتضمن لنسبتها إلى غيره ؛ لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه ، ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه ؛
قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ( 72 ) } يمتن الله على عباده بهذه المنة العظمى ، وهي منة الأزواج والأولاد والحفدة . فقال عز وعلا : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) ، أي : خلق لكم من جنسكم ونوعكم أزواجا ، ولو جعل الأزواج من جنس أو نوع آخر ، لما حصلت المودة والرحمة بين الجنسين . فمن فضل الله ورحمته بالعباد أن خلق من بني آدم كلا الصنفين : الذكور والإناث ؛ لتكون الإناث أزواجا للذكور ، فيتم الائتلاف والانسجام ، وتتحقق المودة والرحمة بينهم . ويستدل بهذا على عدم صحة الزواج من الجن . وقيل : المراد بذلك خلق حواء من نفس آدم . وفيه نظر .
قوله : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) ، أي : جعل الله لكل واحد منكم من زوجه لا من زوج غيره ( بنين ) : جمع ابن . وذلك عن طريق التوالد .
قوله : ( وحفدة ) ، معطوف على ( بنين ) ، لكونه من الأزواج . وفُسر بأنه أولاد الأولاد . وقيل : إنه من عطف الصفات لشيء واحد ؛ أي : جعل لكم بنين خدما . والحفدة : الخدم . والحفدة : جمع حافد ، كخادم وخدم . وهو من قولهم : حفد يحفد حفدا وحفودا وحفدانا ؛ أي : أسرع في الطاعة . وفي الحديث : " وإليك نسعى ونحفد " ، أي : نسرع في طاعتك . وحفد ، أي : خف في العمل وأسرع . والحفد ، بالسكون معناه : المشي دون الخبب . وسيف محتفد ، أي : سريع القطع . وأحفده ، حمله على الإسراع . ورجل محفود ، أي مخدوم{[2571]} .
قوله : ( ورزقكم من الطيبات ) ، ( من ) ؛ للتبعيض ، أي : رزقكم بعض الطيبات في هذه الدنيا وليس كلها ؛ لأن كل الطيبات إنما يكون في الجنة . والمراد بالطيبات المستلذات . وهو عام في كل الخيرات من الثمرات والزروع والحيوان بأنواعه ، وكذا الأشربة بأصنافها . كل ذلك من الطيبات التي تفضل الله بها على عباده .
قوله : ( أفبالباطل يؤمنون ) ، الاستفهام ؛ للإنكار والتوبيخ . والباطل : هو ما يعتقدونه من جدوى الأصنام وبركتها وشفاعتها . أو الشيطان ؛ إذ يسوّل لهم التلبس بالشرك وفعل الحرام ، مما لم ينزل الله به سلطانا ، كتحريم البحائر والسوائب وغير ذلك من نعم الله ؛ فهم إنما يؤمنون بذلك الباطل .
قوله : ( وبنعمة الله هم يكفرون ) ، نعمة الله هي الإسلام ، بما حواه هذا الدين العظيم من عقيدة وشريعة وأحكام تتناول كل مشكلات الحياة البشرية ، وفي ذلك من هداية البشر وإرشادهم ما يفضي إلى السلامة والنجاة في الدارين . لكن المشركين الضالين السادرين في الغي والباطل يجحدون ذلك وينكرونه أشد إنكار ؛ لسقم عقولهم وضلال تفكيرهم . وقيل : نعمة الله : ما منّ الله به على العباد من وجوه الخيرات والمنافع الدنيوية التي لا تحصى{[2572]} .