الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ} (51)

فيه أربع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " قال فما بال " البال الحال ، أي وما حالها وما شأنها ، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى ، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه ، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو ، وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله في اللوح المحفوظ . وقيل : المعنى فما بال القرون الأولى لم يقروا بذلك . أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك . وقيل : إنما سأل عن أعمال القرون الأولى فأعلمه أنها محصاة عند الله تعالى ، ومحفوظة عنده في كتاب . أي هي مكتوبة فسيجازيهم غدا بها وعليها . وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ . وقيل : هو كتاب مع بعض الملائكة .

الثانية-هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا تنسى . فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان . وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه . وروينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له : أنكتب ما نسمع منك ؟ قال : وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ} (51)

ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل {[49290]}مع رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره{[49291]} - صرف الكلام عنه بسرعة خوف من الاتضاح ، بزيادة موسى عليه السلام في الإيضاح ، فيظهر الفساد من الصلاح ، إلى شيء يتسع فيه المجال ، ولا يقوم عليه دليل ، فيمكن فيه الرد ، {[49292]}فأخبر عنه سبحانه على طريق الاستئناف بقوله{[49293]} : { قال فما } أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك : فما{[49294]} { بال } أي خبر { القرون الأولى* } الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحداً إلى أحاله وأماله{[49295]} ، وهو وأن كان حيدة ، هو من أمارات الانقطاع ، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع .


[49290]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "في ذلك" س 12 والترتيب من مد.
[49291]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "في ذلك" س 12 والترتيب من مد.
[49292]:في ظ: بأن.
[49293]:في ظ: بان.
[49294]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[49295]:زيد من مد.