الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} (11)

قوله تعالى : " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " يريد مدائن كانت باليمن . وقال أهل التفسير والأخبار : إنه أراد أهل حضور{[11229]} وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم ، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له : ضنن{[11230]} كثير الثلج ، وليس بشعيب صاحب مدين ؛ لأن قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام ، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام ، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرسول في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان ، وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام ، فأوحى الله إلى أرميا : أن ايت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب وأني منتقم بك منهم ، وأوحى الله إلى أرميا أن احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ، كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم ، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد ، فحمل معدا وهو ابن اثنتا عشرة سنة ، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ، ثم إن بختنصر نهض بالجيوش ، وكمن للعرب في مكان - وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا - ثم شن الغارات على حَضُور فقتل وسبى وخرب العامر ، ولم يترك بحضور أثرا ، ثم نصرف راجعا إلى السواد . و " كم " في موضع نصب ب " قصمنا " . والقصم الكسر ، يقال : قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعني به ههنا الإهلاك . وأما الفصم ( بالفاء ) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة ، قال الشاعر{[11231]} :

كأنهُ دُمْلُجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ *** في مَلْعَبٍ من عَذَارَى الحَيِّ مَفْصُومُ

ومنه الحديث ( فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ) . وقوله : " كان ظالمة " أي كافرة ، يعني أهلها . والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان .

قوله تعالى : " وأنشأنا " أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم .


[11229]:وتروى حضوراء (بالألف الممدودة) وفي ح الجمل بوزن شكور.
[11230]:كذا في الأصول: إلاب ففيه ضثن كثير الملح، صححه في الهامش.
[11231]:هو ذو الرمة، يذكر غزالا شبهه وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي. ونبه: أي منسي نسيته العذارى في الملعب.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} (11)

ولما كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله{[50515]} شرفناكم ، وإن ظلمتم برده عناداً أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم ، عطف عليه قوله : { وكم قصمنا } {[50516]}أي بعظمتنا{[50517]} { من قرية } جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه ، والإناء الذي فت فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم{[50518]} الذي هو{[50519]} أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة ، و " كم " في هذا السياق يقتضي الكثرة ، ثم علل إهلاكها وانتقالها{[50520]} بقوله : { كانت ظالمة } ثم بين الغنى عنها بقوله : { وأنشأنا } {[50521]}أي بعظمتنا .

ولما كان الدهر لم يخل{[50522]} قط بعد آدم من إنشاء {[50523]}وإفناء{[50524]} ، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب ، بياناً لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ، اسقط الجار فقال : { بعدها قوماً } {[50525]}أي أقوياء ، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله{[50526]} : { ءاخرين* }


[50515]:زيد في الأصل: بقوله، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[50516]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50517]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50518]:من ظ ومد وفي الأصل: بالقصى، والعبارة من بعده إلى "أفظع الكسر" ساقطة من ظ.
[50519]:زيد في الأصل: أعظم، ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[50520]:زيد من مد.
[50521]:العبارة من هنا إلى "الجار فقال" ساقطة من ظ.
[50522]:من مد، وفي الأصل: لم يخلوا.
[50523]:بياض في الأصل، ملأناه من مد.
[50524]:بياض في الأصل: ملأناه من مد.
[50525]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50526]:سقط ما بين الرقمين من ظ.