الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ} (33)

قوله تعالى : " وقال الملأ من قومه " أي الأشراف والقادة والرؤساء . " الذين كفروا وكذبوا{[11659]} بلقاء الآخرة " يريد بالبعث والحساب . " وأترفناهم في الحياة الدنيا " أي وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة ، وهي مثل التحفة . " ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون " فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم . وزعم الفراء أن معنى " ويشرب مما تشربون " على حذف من ، أي مما تشربون منه ، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف البتة ؛ لأن " ما " إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد ، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من .


[11659]:في ب و ج و ك "كذبوا بـ" آياتنا و "لقاء".
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ} (33)

ولما كان التقدير : فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح ، عطف عليه قوله : { وقال الملأ } أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور ، فكأن ما اقترن بالواو أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه . ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن ، قدم قوله : { من قومه } اهتماماً وتخصيصاً للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة ؛ ثم بين الملأ بقوله : { الذين كفروا } أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين { وكذبوا بلقاء الآخرة } لتكذيبهم بالبعث .

ولما كان من لازم الشرف الترف ، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة ، لكونه حاملاً على الأشر والبطر والتكبر حتى على المنعم ، فقال : { وأترفناهم } أي والحال أنا - بما لنا وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم { في الحياة الدنيا } أي الدانية الدنيئة ، بالأموال والأولاد وكثرة السرور ، يخاطبون أتباعهم : { ما هذا } أشاروا إليه تحقيراً له عند المخاطبين { إلا بشر مثلكم } أي في الخلق والحال ؛ ثم وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا : { يأكل مما تأكلون منه } من طعام الدنيا { ويشرب مما تشربون* } أي منه من شرابها فكيف يكون رسولاً دونكم !