قوله جل ذكره : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } .
هذه تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتسهيلٌ للصبر عليه ؛ فإذا عَلِمَ أن الأنبياء عليهم السلام استقبلهم مثلما استقبله ، وأنَّهم صَبَرُوا وأنَّ اللَّهَ كفاهم ، فهو يسلك سبيلَهم ويقتدي بهم ، وكما كفاهم عَلِمَ أنه أيضاً يكفيه . وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوامِّ والأجانبِ عن هذه الطريقة ، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، بينما أهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم .
والعوامُّ أقرب إلى هذه الطريقة من القُرَّاءِ المتقشفين ، ومن العلماء الذين هم لهذه الأصول ينكرون .
{ وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } الخ تسلية له عليه الصلاة والسلام بعموم البلية والوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لأعدائه ، والمعنى وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين بعدما أقمت عليهم الحجة وألقمتهم الحجر فتأس بأولئك الرسل في الصبر فقد كذبهم قومهم وصبروا فجملة { قَدْ * كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } قائمة مقام جواب الشرط والجواب في الحقيقة تأس ، وأقيمت تلك الجملة مقامه اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب ، وجوز أن تجعل هي الجواب من غير تقدير ويكون المترتب على الشرط الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 3 5 ] وتنكير رسل للتعظيم والتكثير الموجبين لمزيد التسلية والحث على التأسي والصبر على ما أصابه عليه الصلاة والسلام من قومه أي رسل أو لو شأن خطير وعدد كثير { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } لا إلى غيره عز وجل فيجازي سبحانه كلا منك ومنهم بما يليق ، به ، وفي الاقتصار على ذكر اختصاص المرجع به تعالى مع إبهام الجزاء ثواباً وعقاباً من المبالغة في الوعد والوعيد ما لا يخفي . وقرئ { تُرْجَعُ } بفتح التاء من الرجوع والأول ادخل في التهويل .
ومن باب الإشارة : { وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } [ فاطر : 4 ] تسلية لحبيه صلى الله عليه وسلم وإرشاد لورثته إلى الصبر على إيذاء اعدائهم لهم وتكذيبهم إياهم وإنكارهم عليهم
وبعد هذا البيان المعجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده ، وهيمنته على شئون خلقه . . أخذت السورة المريكة فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم ، وفى بيان مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، فقال - تعالى - : { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ . . . عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } .
قال الآلوسى : قوله : { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } تسلية له صلى الله عليه وسلم بعموم البلية ، والوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لأعدائه .
والمعنى : وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين . . فتأس بأولئك الرسل فى الصبر ، فقد كذبهم قومهم فصبروا على تذكيبهم . فجملة { فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } قائمة مقام جواب الشرط ، والجواب فى الحقيقة تأس . وأقيمت تلك الجملة مقامه ، اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب . .
وجاء لفظ الرسل بصيغة التنكير ، للإِشعار بكثرة عددهم ، وسمو منزلتهم .
أى : وإن يكذبك - أيها الرسول الكريم - قومك ، فلا تخزن ، ولا تبتئس ، فإن إخوانك من الأنبياء الذين سبقوك ، قد كذبهم أقوامهم ، فأنت لست بدعا فى ذلك .
ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : { مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } وقوله - عز وجل - : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله . . } ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تسليته صلى الله عليه وسلم فقال : { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } .
أى : وإلى الله - تعالى - وحده ترجع أمور الناس وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم . وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.