لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (50)

دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع ؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام ، والعادة - اليومَ - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب ، وهذا شديد .

ثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم ، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون ! ولكنه قهر الربوبية وعِزُّ الأحدية ، وأنه فَعَّالٌ لما يريد . فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة ، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة ، وفي معناه أنشدوا :

وأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً *** ولو فُجِّرت من أرضهن بحورُ

ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم ، وفي هذا المعنى قيل :

يا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه *** هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به

وفي هذا المعنى أنشدوا .

جرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ *** عيناً لغيرك دمعها مدرار

مَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها *** أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (50)

{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } بعد أن استقر بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار { أَنْ أَفِيضُواْ } أي صبوا { عَلَيْنَا } شيئاً { مِنَ الماء } نستعين به على ما نحن فيه ، وظاهر الآية يدل على أن الجنة فوق النار { أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي أو من الذي رزقكموه الله تعالى من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة أو من الأطعمة كما روي عن السدي وابن زيد ، ويقدر في المعطوف عامل يناسبه أو يؤول العامل الأول بما يلائم المتعاطفين أو يضمن ما يعمل في الثاني أو يجعل ذلك من المشاكلة ويكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدة جوعهم وأن ما هم فيه من العذاب لا يمنعهم عن طلب أكل وشرب . وبهذا رد موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه فيما يروى على هارون الرشيد إنكاره أكل أهل المحشر محتجاً بأن ما هم فيه أقوى مانع لهم عن ذلك . واختلف العلماء في أن هذا السؤال هل كان مع رجاء الحصول أو مع اليأس منه حيث عرفوا دوام ما هم فيه وإلى كل ذهب بعض { قَالُواْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا ؟ فقيل قالوا : في جوابهم : { إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } أي منع كلاً منهما أو منعهما منع المحرم عن المكلف فلا سبيل إلى ذلك قطعاً ، ولا يحمل التحريم على معناه الشائع لأن الدار ليست بدار تكليف .

( ( ومن باب الإشارة ) :{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء } أي الحياة التي أنتم فيها { أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي النعيم الذي من الله تعالى به عليكم أو أفيضوا علينا من العلم أو العمل لننال به ما نلتم { قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا } في الأزل { عَلَى الكافرين } [ الأعراف : 50 ] لسوء استعدادهم ، وقيل : إن الكفار لما كانوا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا وأدخلوا النار على ما ماتوا طلبوا الماء أو الطعام