أخبر هذه الآية عن سابق عهده ، وصادق وعده ، وتأكيد عناج ودِّه ، بتعريف عبده ، وفي معناه أنشدوا :
سُقياً لليْلَى والليالي التي *** كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها
أفديكِ بل أيامُ دهري كلها *** يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها
ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرٌ ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ ، أو كان لهم من حميمٍ أو قريب أو صديق أو شفيق خبر ، وفي معناه أنشدوا :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** وصادف قلبي فارغاً فتمكنَّا
ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال . وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم ، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم .
ويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد ، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود .
ويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد ، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة ( . . . ) .
ويقال تجلَّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا : " بلى " عن حاصل يقين ، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا : " بلى " عن ظنٍ وتخمين .
ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب ؛ فَجَذَبَ قلوبَ قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِّ ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار .
ويقال فرقةٌ ردَّهم إلى الهيبة فهاموا ، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا .
ويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم ، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم .
ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم ، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم ، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف ، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً ، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً ، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً ، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً .
ويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه ، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم ؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال ، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكُّرِ ما سَلَفَ لهم من العهد المتقدم .
ويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق ، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود .
ويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً ، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة ، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَفَة .
أو تحتجون أيضا بحجة أخرى ، فتقولون : إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فحذونا حذوهم ، وتبعناهم في باطلهم .
أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ فقد أودع اللّه في فطركم ، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل ، وأن الحق ما جاءت به الرسل ، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم ، ويعلو عليه .
نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين ، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق ، وما ذاك إلا لإعراضه ، عن حجج اللّه وبيناته ، وآياته الأفقية والنفسية ، فإعراضه عن ذلك ، وإقباله على ما قاله المبطلون ، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق ، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات .
وقد قيل : إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم ، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ، فشهدوا بذلك ، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم ، وعنادهم في الدنيا والآخرة ، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا ، ولا له مناسبة ، ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى ، والواقع شاهد بذلك .
فإن هذا العهد والميثاق ، الذي ذكروا ، أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره ، حين كانوا في عالم كالذر ، لا يذكره أحد ، ولا يخطر ببال آدمي ، فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر ، ولا له عين ولا أثر ؟ " ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا ، قال تعالى :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.