نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ} (173)

{ أو يقولوا } أي لو لم نرسل إليهم الرسل { إنما أشرك آباؤنا من قبل } أي من قبل أن نوجد{[33968]} { وكنا ذرية من بعدهم } فلم نعرف لنا{[33969]} مربياً غيرهم فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه{[33970]} ، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم : { أفتهلكنا بما فعل المبطلون* } أي من آبائنا ؛ قال أبو حيان : والمعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان : إحداهما " كنا غافلين " والأخرى " كنا تبعاً لأسلافنا " فكيف والذنب إنما هو لمن طرّق لنا وأضلنا - انتهى . ومما يؤيد معنى التمثيل حديث أنس في الصحيح " يقول الله لأهون أهل النار عذاباً : لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به ؟ قال : نعم ، قال : فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك شيئاً ، فأبيت إلا الشرك " {[33971]} وذلك لأن التصريح بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته ، والأخذ وهو في الصلب إنما هو بنصب الأدلة وتقرير الحق{[33972]} على و جه مهيىء للاستدلال بتركيب العقل على القانون الموصل إلى المقصود عند التخلي من الحظوظ والشوائب ، وهذا الذي وقع تأويل الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق في عالم الذر على تقدير صحته ، فإنه روي من طرق كثيرة جداً ذكرتها في كتابي سر الروح ، منها في الموطأ ومسند أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر{[33973]} المروزي وأبي يعلى الموصلي ومستدرك الحاكم وكتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني عن صحابة وتابعين مرفوعاً وموقوفاً{[33974]} - منهم عمر وأبيّ بن كعب وأبو هريرة وحكيم بن حزام وعبدالله بن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي العالية رحمهم الله ، وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبيّ بن{[33975]} كعب رضي الله عنه{[33976]} أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم : " فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين{[33977]} السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة{[33978]} : إنا كنا عن هذا غافلين ، فلا تشركوا بي شيئاً ، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي ، فقالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك " فالاستنطاق في الحديث على بابه ، عبرة لأبينا آدم عليه السلام ومن حضر ذلك من الخلق ، وإيقافاً لهم على بديع قدرته وعظيم علمه{[33979]} ، وإشهاد ما أشهد من المخلوقات بمعنى أنه{[33980]} نصب فيها من الأدلة ما يكون إقامة الحجة به عليهم بالنقض إن أشركوا كشهادة الشاهد{[33981]} الذي لا يرد ، وليس في شيء من الروايات ما ينافي هذا ؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان : أحدهما حالي تهدى إليه العقول ، وهو نصب الأدلة ، والآخر مقالي أخبرت به الرسل ، كل ذلك للإعلام بمزيد الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف الكريم ويراد به من الأمر العظيم - {[33982]}والله الموفق{[33983]} .


[33968]:- من ظ، وفي الأصل: يوجد.
[33969]:- زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[33970]:من ظ، وفي الأصل: منتبه.
[33971]:- من ظ، والصحيح- الأنبياء، وفي الأصل: اشرك.
[33972]:- في ظ: الخلق.
[33973]:- من تهذيب التهذيب، وفي الأصل وظ: مضر.
[33974]:- زيد من ظ.
[33975]:- زيد ولا بد منه.
[33976]:- العبارة من "عن أبي" إلى هنا ساقطة من ظ.
[33977]:- من ظ، وفي الأصل: الأرض.
[33978]:-زيد من ظ.
[33979]:- من ظ، وفي الأصل: عمله.
[33980]:-زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[33981]:- زيد من ظ.
[33982]:- تقدم في الأصل على "والحاصل أنه" والترتيب من ظ.
[33983]:- تقدم في الأصل على "والحاصل أنه" والترتيب من ظ.