لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا} (4)

قوله جل ذكره : { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } .

والذارياتُ : أي الرياح الحاملات { وِقْراً } أي السحاب { فَالْجَارِياتِ } أي السفن . { فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } أي الملائكة . . . أقسم بربِّ هذه الأشياء وبقدرته عليها . وجواب القسم : { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . . . } والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح . الرياح الصيحية تحمل أنينَ المشتاقين إلى ساحات العزَّةِ فيأتي نسيمُ القربةِ إلى مَشَامِّ أسرارِ أهل المحبة . . . فعندئذٍ يجدون راحةً من غَلَبَات اللوعة ، وفي معناه أنشدوا :

وإني لأستهدي الرياحَ نسيمكم *** إذا أقبلَتْ من أرضكم بهبوب

وأسألُها حمْلَ السلام إليكمو *** فإنْ هي يوماً بَلَّغتْ . . فأجيبي

ومن السحاب ما يُمطر بعتاب الغيبة ، ويُؤْذن بهواجم النَّوى والفُرْقة . فإذا عَنَّ لهم من ذلك شيء أبصروا ذلك بنور بصائرهم ، فيأخذون في الابتهال ، والتضرُّع في السؤال استعاذةً منها . . . كما قالوا :

أقول- وقد رأيتُ لها سحاباً *** من الهجران مقبلة إلينا

وقد سحَّت عزاليها بِبَيْنٍ *** حوالينا الصدودُ ولا علينا

وكما قد يَحْملُ الملاَّحُ بعضَ الفقراء بلا أجرة طمعاً في سلامة السفينة - فهؤلاء يرْجُون أن يُحمَلُوا في فُلْكِ العناية في بحار القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة . ومِنَ الملائكةِ مَنْ يتنزَّلُ لتفقد أهل الوصلة ، أو لتعزية أهل المصيبة ، أو لأنواعٍ من الأمور تتصل بأهل هذه القصة ، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم : هل عندهم خيرٌ عن فراقهم ووصالهم - كما قالوا :

بربِّكما يا صاحبيَّ قِفَا بيا *** أسائلكم عن حالهم وآسألانيا

{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } : الحقُّ - سبحانه- وَعَدَ المطيعين بالجنة ، والتائبين بالرحمة ، والأولياءَ بالقربة ، والعارفين بالوصلة ، ووَعَدَ أرباب المصائب بقوله : { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } [ البقرة : 156 ، 157 ] ، وهم يتصدون لاستبطاء حُسْنِ الميعاد - واللَّهُ رؤوفٌ بالعباد .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا} (4)

1

المفردات :

فالمقسمات أمرا : الملائكة التي تنفذ أوامر الله وقضاءه ، أو الرياح التي تقسم الأمطار بتصريف السحاب .

التفسير :

قال : { فالمقسمات أمرا } . قال : الملائكة .

فالله تعالى بدأ السورة بالقسم بالريح ، التي تذرو الرياح ، وتثير السحاب ، وتهز البحار والأمواج ، وتلقح النبات ، كما أقسم بالسحاب المثقل بالأمطار ، الذي يوزعه الله على عباده .

قال تعالى : { الله الذي يرسل الريح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } . ( الروم : 48 ) .

وأقسم سبحانه بالسفن الجاريات في البحر كالأعلام ، التي تنقل البضائع والتجارة والأشخاص من بلد لآخر ، في سهولة ويسر .

وأقسم عز شأنه بصنوف الملائكة ، ومنهم الموكلون بالأرزاق ، وتوزيع الأمطار والخيرات بأمر الله تعالى ومشيئته .

قال تعالى : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 27 ) } . ( آل عمران : 26 ، 27 ) .

وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلاوة هذه الآية : ( اللهم ارزقنا وأنت خير الرازقين ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) .

رأي آخر في تفسير الذاريات

من المفسرين من ذهب إلى أن القسم في صدر السورة للرياح وذروها للتراب ، وحملها السحاب وجريها في الهواء بيسر وسهولة ، وتقسيمها الأمطار .